انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

مهرجان المسرح الخليجي..بين مجازات النفط و أوهام السياسة


 
المهرجان المسرحي الخليجي ..بين مجازات النفط وأوهام السياسةا

 
(اذا لم تجعلنا المسرحية نفقد توازننا ، اصبحت الامسية كلها فاقدة التوازن( بيتر بروك
 
لا تنفك السياسة عن الثقافة في عنوان المهرجان المسرحي للفرق الاهلية بدول مجلس التعاون الخليجي ، فهناك نهاية وبداية لحدود الممارسة تتعين بمشارط القلق الامني الذي نشأ من اجله هذا التكوين السياسي.
 
يشير العنوان بوضوح الى مساحة المهرجان الجغرافية بوصفها صورة من خارطة العمل السياسي المشترك للدول العربية المطلة على الخليج العربي ، وجانب السياسة حاسم في فرز هذه المناسبة عن سواها من المناسبات المسرحية العربية.
 
ست دول تتقاسم البحر والصحراء على ضفاف الخليج  كما تتقاسم حظها في النفط الذي اصبح المعيار المائز لهذه التكوينات السياسية والاجتماعية المدفوعة برسم السياسة الى التكتل والبحث عن هوية مشتركة ضمن محيط عربي يشاركها كل شيء الا غزارة النفط.
 
للنفط ثقافة في الخليج ..انه المجاز الذي استهلكه الانسان في تلك الجغرافيا حتى استحالت الثقافة واحدة من مشتقات النفط التي ترسلها مصافي التكرير الى منافذ التوزيع، فجازت به صورته الى العالم الآخر على شكل براميل مختومة لفرط انغماسها في النفط.
 
هذا الاسود المتدفق بسخاء تحت ارجل الانسان في الخليج اخرج الحياة من سكينتها حين اخرج ابناء الساحل من غبة البحر والبدو من متاهات الصحراء ، وادخل العالم كله الى هذا الحيز الجغرافي المفتوح  على صدمة السوبرتحولات.
 
لم يخلق هذا التشابه بالنفط تشابها في لون الدم والثقافة والانتماء لتلك التكوينات الاجتماعية المستجدة ، بل كان النفط جاذبا لولادة مجتمعات اكثر هجنة ، فيها خليط من اعراق العالم ، وخليط من تقاليد ما قبل النفط وما بعده ، فيما الثقافة باتت تعيش رحلة الشتاء والصيف بين مضارب الفكر والايدلوجيا المنتشرة في بلدان الهلال الخصيب.
 
ولد مجلس التعاون الخليجي لتولد معه لغة جديدة ، تعيد التذكير بالتاريخ المشترك للخليج السياسي حيث الجزيرة العربية أمٌ تتحضن صغارها ، ما عدا الجزء اليماني الذي تم الاعتراف به لاحقا ..تجاوز الحديث عن كيانات سياسية مستقلة بذاتها ، الى تكوينات وهويات وثقافات تدعى ان لها رصيدا مشتركا يسوغ لها التعنون خلف التسمية الجديدة..المجتمعات الخليجية ، الثقافة الخليجية ، الاغنية الخليجية ، السياسة الخليجية، الرياضة الخليجية.
 
اختفى الجوهر السياسي والقلق الامني عن المشهد ، واصبح المجاز باعتراف الزمن حقيقة لها تمثلاتها ، مؤسساتها ، وحراسها ايضا، في محاولة لاحلال ثقافة مشتركة تدعم من تلك الصورة التي اخذت تستقر ملامحها مع الوقت ، ومن هذه المؤسسات اللجنة الدائمة للمهرجان المسرحي للفرق الاهلية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
 
ليس للسياسية ان تختزل وجودنا الثقافي ، لكنها تسعى في كل الاحوال الى احتواء مختلف التمثلات الثقافية ، ومن هنا يراد من هذه المهرجان ان يكون غطاء سياسيا لممارسة ثقافية  هاجسها الدفع باتجاه التأكيد على المشترك بين هذه الدول الطافية فوق الماء.
 
وبمثل ما تدل البعرة على البعير ، يستدل بالنفط على الرخاء الاقتصادي ، الامر الذي سينعكس على هذا المهرجان وامثاله ، حيث ترصد الميزانيات وتحشد الامكانيات لجعله متساوقا واتجاه العجلة الاقصادية ، ما يورطه في معظم الاحيان في شكلانيات احتفالية وبهرجات باذخة.
 
 100مليون درهم امارتي تم صرفها قبل عامين لغرض انشاء مبنى مسرحي متطور في مدينة ابوظبي من اجل استضافة عروض المهرجان المسرحي الخليجي الفائت ، وبذل 3 مليون اخرى ليخرج لنا جواد الاسدي عرضا افتتاحيا يعرض لمرة واحدة!.
 
لا يمكن النظر الى هذا البذخ بعيدا عن ثقافة النفط التي تسربت الى ممارساتنا الثقافية ، فهو الدليل على اخضاع هذه المناسبات لاعتبارات الصورة المسكوبة في براميل النفط ، والخارجة عن مصافي التكرير ، انها ممارسة اقرب للمنافسات الاقتصادية منها الى الصناعة الثقافية ، اقرب الى تعميم نموذج تسوق في دبي منها الى تشكيل بنى تحتية حقيقية للعمل الفني.
 
 خرج المهرجان السابق بعروض فقيرة في قيمتها الفنية ، تراوح في محطاتها السابقة ، واضحى عنوان المهرجان واهدافه اسبابا رئيسية في تيهان التجارب المشاركة ، وتراجع حرارة المهرجان ، فالتراث والخليج مادتان مضللتان ضمن قائمة الاهداف المرصودة التي لم تفلح في اخراجنا من عنقة الزجاجة.
 
كان الاستياء علنيا وجماعيا غير اننا لم نسمع عن تعديلات او اضافات، او آلية صارمة لاختيار العروض ونحن على ابواب المهرجان مرة أخرى في دولة البحرين ، لم نقرأ شيئا عن تطوير المناسبة او فتح ابوابها لتتسع الى عروض اكثر ، في الوقت الذي يعيش فيه المهرجان محنة الاختلاف والصراع بين الفرق الاهلية في البحرين.
 
لقد تأجل المهرجان السابق في ابوظبي مرة لدواعي الحرب (في) أو (على) العراق ، وهو يتأجل اليوم للمرة الثالثة بدواعي مختلفة ، فيما تتسع دائرة الجدال حول المهرجان لتصل الى اقبية البرلمان البحريني ، ويسود الصمت في الدول الاخرى.
 
ثمة حاجة للدفع باتجاه اعادة النظر في توقيت المناسبة وعدد العروض المشاركة ، فليس عصيا على دول النفط ان تدير مهرجانا سنويا لهذه الفعالية بدلا من اقامته كل سنتين ، ورفع سقف الفرق المشاركة ليفتح الباب لمزيد من التجارب مع التشديد على آليات الاختيار،  فاذا كانت البحرين تواجه مشكلة بسبب اضطرارها لاختيار عرض واحد من مجموع اعمال اربعة فرق، فما حال الدول الاخرى كالامارات والكويت مثلا والتي تملك كل واحدة منها ان تقدم خلال السنتين ما يربو على عدد العروض المقررة للدورة الواحدة من المهرجان المسرحي الخليجي.
 
لا اظن دول المجلس تعاني من ازمة مالية تحول دون استضافتها لعدد اكبر من الفرق ، بل واحتضان عروض عالمية وعربية ليتحقق معنى المثقافة والتعارف بين هذه التجارب ، فالفجيرة وهي امارة وليست بحجم دول المجلس اثبتت قدرتها التنظيمية والادارية والمالية على ادارة مهرجان سنوي للموندراما في نطاق اوسع من حدود الطوق الخليجي.
 
افتحوا الباب يا سادة وحررونا من شواغل الهواية واللغة والدولة لنعيش المسرح والثقافة في حدودهما الكونية بعيدا عن تأثيرات مجاز النفط واوهام السياسة.
 
والسلام..
 
أثير السادة

 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 24 اكتوبر, 2006 02:33 ص , من قبل gharamoh
من مصر

السلام عليكم ورحمة الله

كل عام وانت بخير

وفقك الله و ثبتك .

انتظر زيارتك لمدونتي وتعليقك على موضوعاتها
www.gharamoh.jeeran.com
احمد بهاء
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية