انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

اتساع الصورة..انكماش الحدث

 

اتساع الصورة..انكماش الحدث

 

الحشود في ساحة رياض الصلح تبدو كتلة متوسطة الحجم معلومة الابعاد ضمن تكوين لقطة زووم اوت من زاوية عالية اختارتها جريدة المستقبل للصفحة الاولى ضمن تغطيتها لليوم الاول من الاعتصام المفتوح في بيروت ، لقطة واسعة يبدو فيها الحرص على اعادة تكوين الحدث بتوسيع حدود المساحة الفارغة من الناس ، فالمباني والشوارع تتمدد في الصورة بنحو بارز يشتت تلك الدهشة المفترضة لهذا البناء المتراص من الاجساد.
 
الصورة الاولى لجريدة المستقبل اللبنانية

 
الصورة الثانية لجريدة الديار اللبنانية
     

 

ترتبط هذه الصورة كثيرا باتجاهات الخطاب الاعلامي لهذه الصحيفة التي تنتسب الى كتلة الاكثرية الحاكمة في لبنان ، او بالتوصيف السياسي المتداول "فريق الموالاة" ،فهي لا تصف الحدث بقدر ما تصف العلاقة التي تفترضها استخدامات الصورة بهذا الحدث ، الاشكال المقترحة لمعنى الحدث وقيمته، فتكوين الصورة ومقاسها لا يبدو مسألة اجرائية دائما، بل هي في هذا المستوى خاضعة لاعتبارات الصراع السياسي وقيود الانتماءات الايدلوجية.

 

الرجوع الى الاعداد التالية من الصحيفة والتي مازالت ترافق الجدل السياسي الدائر حول المعارضة والموالاة يكشف عن ارتهان الصورة لضرورات  الخطاب واستراتيجياته فيها ، فالاتصال والانقطاع عن مشهد الحشود المتكرر يوميا مربوط بمدى تجانس الصورة وايدلوجيا الجماعة ، وليس بالضرورة تحولات الحدث ومجرياته الميدانية.

 

ستبتعد عدسات الصحيفة المذكورة عن الساحتين وعن وصف الجموع المحتشدة في ايامه اللاحقة ، ولن تقترب الا نادرا في لقطة "زووم ان"  تنقل مرة صورة مجموعة من الشباب يشربون الاركيلة مساء في طرف احدى الساحتين، واخرى مشابهة من محيط ساحة الشهداء اريد منها التهكم حيث وصفتها الصحيفة بأنها " سوق شعبي تولد عن المحاولة الانقلابية".
 

 

ستجد الصحيفة حيزها الخاص في مواقع أخرى وهي تجهد لبناء تشكيلات صورية في مقابل الصور الأخرى التي لم تنقطع عن لحظات النقل الحي فضلا عن تصاوير الضوء ، لتقدم لنا لقطات زووم ان على مجموعة من المتظاهرين دعما للسنيورة في طرابلس (6-12) واخرى في مدينة عكار (8-12) وبنفس الطريقة ومثلها في (11-12) ، وثالثة في تعلبايا (16-12) ، ورابعة في شحيم (17-12).

 

ميزة هذه المجموعة من الصور هي في اخفاء النهايات لهذا الحشد حيث لا أثر لحدود هذا التجمع ، فالصورة المقربة جدا تشتغل اكثر ما تشتغل على تكبير تعابير الوجوه المؤطرة ضمن اطار الصورة ، في اشارة ظاهرة على وجود امتداد غير معلوم النهاية لهذه الوجوه خارج التأطير المقترح، وهو ما يمكن الاحاطة به عبر توصيفات التقرير المصاحب والذي سيمضي في الغالب لتعزيز مقاصد الصورة.

 

مشاهد زووم ان متكررة تسمح لنا بمتابعة الرئيس السنيورة وهو يلتقي وفودا شعبية في قصر السرايا بين وقت وآخر ، فيها يحرص المصور على اظهار السنيورة من خلف الايادي المرفوعة في دلالة على مشهد تأييد وحماسة لهذا الفريق ، ومرة أخرى لا يبدو هذا النمط من الصور مشغولا بعرض المشهد كاملا امامنا ، بل في جعل هذا الاتصال المشحون بالعواطف بين السنيورة والحاضرين هو محور الحدث/الصورة ، مع الاستمرار في حذف صور الاعتصامات من سياق التغطيات ، ضمن عملية احلال وابدال ، كانت هي الاساس في لعبة الزووم ان والزووم اوت.

 

وهكذا كانت تتجلى ما بين تضييق الصورة وتوسيعها  الاختلافات المقصودة في رسم ابعاد الحدث ، وافتراض معانيه واتجاهاته ، في محاولة لبناء تجانسات مستمرة بين تصويرات الخطاب وخطاب الصورة.

 

أثير السادة

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية