كنا كمن يهرب من عتمة الحياة بحثا عن مكان آمن يخبئ فيه ما تبقى من احلامه العلمية ، فيرشدنا الضوء الى الجامعة ، حيث ثمة رحلة اخرى اكثر جاذبية باتجاه المستقبل ، نعاود فيها فتح دفاترنا البيضاء وعقولنا الذاهبة بعيدا في تأملاتها ، لنجمع فيها خيوطا ممتدة من التماعات المعرفة. تتملكنا الرغبة في ان نكتشف معنى الحرية في اختيار صورنا المستقبلية ، مصادرنا المعرفية ، مزاجنا الفكري ، تلك الحزمة من الاسئلة المتكاثرة التي بها نعرف اننا اقترابنا من روح الجامعة بوصفها "معقلا للعقلانية" ، عقلانية لا تسند ظهرها للجدار لتحفظ الدرس ، بل تمارس التفكير فيه ، وتدعي القدرة على التفلت منه ومساجلته. وجدنا انفسنا مرة اخرى طلابا نتخير مواقعنا من فصول الدراسة ، نكتب سطرا ونمحو آخر ، غير اننا نحلم في جعل الحوار تعويذة للخلاص من التعليم البنكي و اشكال التلقين في المراحل التعليمية السابقة، كي ما نكون معها اكثر جدارة للخوض في امتحانات الحياة. لم يكن الواقع بمقدار سحر الصورة المتخيلة التي تستعير من الحرية والعقلانية بريقها اللامع ، فكلما توغلنا في الحياة الجامعية وجدنا مناخا اكثر امتثالا للاطر المغلقة ، يريد ان يمنح الاشياء اشكالها وفق تراكيب جاهزة ، تنتجها صرامة الاجهزة الادارية ، وصورة المدرس الذي حفظ درسه عن ظهر قلب فكف عن التفكير فيه ، وجملة من الانظمة التي تجعل من تفكير الطالب مستنزفا على الدوم في قضايا ثانوية. تنمو المعلومات في مساحة مضاعفة من ذاكرتنا ، لكنها لا تقترب من ميدان الحياة الفسيح ، قد تصلح لان تكون الوسيلة لملء موقع ما في المستقبل وظيفيا ، الا انها لا تفعل الكثير من اجل تأهلينا لقراءة العالم من حولنا ، وممارسة حضورنا الواعي ضمن تحولاته، فالذهنية الثقافية التي تصوغها الجامعة لطلابها لا تخرج عن اطار انشطة الاندية بتقاليدها التي لا تطاول فكرة الاتحادات الطلابية كتكوينات كاشفة عن خصائص الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي للفرد الجامعي ، فهي الصورة المبتسرة لذلك الوعي المتواري في اوساط الطلاب. صعوبة التفكير في الجامعات هي من صعوبة التعاطي الحر مع المعرفة ومع الحياة في كيانات تعليمية انعزلت بفعل عناوينها العلمية عن اغراءات اليومي والانساني في شئون الحياة ، واصبحت بفعل اخلاصها لسلطة النسق باعثة على تضييق هامش الاختلاف فيها ، ومحرضة بالتالي لطالبها على الامتثال لهذا السلوك. ثمة حاجة الى اشباع الحياة الجامعية اليوم بوعي ثقافي واجتماعي وسياسي وحقوقي جديد حتى نتمكن من انتاج ذوات علمية تملك القدرة على المشاركة في صياغة الواقع ، ورفده بثقافة تتكئ على تلك المسحة المفترضة من العقلانية التي تهدف الى ضبط ايقاعنا الفكري ، واختبار تصوراتنا الثقافية. قد لا تكون الجامعة كمؤسسة مشغولة بصناعة التغيير كما يروي الغدامي في حكاية الحداثة ، غير ان ذلك لا ينفي ان للوسط الجامعي اسهامه عربيا ودوليا في خلق اصوات ثقافية وسياسية مجاوزة في تطلعاتها لحدود المنهج الجامعي ، ومنحازة لهمومها الانسانية. وهكذا ينبغي للجامعة ان تكون ، ان تضع الانسان في مواجهة الحياة مباشرة ، ان تحمله على ان يكون عاشقا للمستقبل الذي يستيقظ على ايقاع الحرية والمعرفة ، حين تشطب من ذاكرته ادواره القديمة ، وتمنحه نصا مفتوحا على الدهشة والرغبة في اكتشاف العالم ، ثمة ما يشبه البروفات الأخيرة يمارسها الطالب في فصول عمره الجامعية ، حتى يمضي مشهد الحياة الى اكتماله ، ويبلغ ذروته الاجمل. أثير السادة Atheer93@yahoo.com
لم يعد المسجد مؤسسة لانتاج الحقيقة كما يفترض فتحي مسكيني ، ولا مكانا لصناعة برلمانية مبكرة كما ترى فاطمة المرنيسي ، فالوظائف والادوار التي انيطت للمسجد تاريخيا اصبحت جزء من تكوينات اجتماعية وثقافية وسياسية اخرى ، وعلى ذلك استقر المعنى وانتهت الوظيفة عند حدود المضمون العبادي الذي يراد به تنظيم العلاقة بين الفرد وربه، وتعزيز الحس الايماني لجموع المؤمنين عبر استذكار المعاني الدينية والاخلاقية. لقد كانت صورة المسجد بمثل ما جاءت في الاشارات التاريخية الاولى اكثر اتساعا واتصالا بالفضاء السياسي والثقافي والاجتماعي للتكوين الاسلامي المستجد ، فمنذ الوهلة الاولى لتأسيس اول مسجد بالمدينة اصبح المسجد مسرحا للادارة السياسية ، مكانا تقترب فيه الناس من قيادتها في نقطة تماس ، تسمح بالمشاركة والتعاطي في الشؤون المشتركة ، كما كان ساحة للاغتراف من معين المعارف والعلوم ، فضلا عن كونه قبل كل شيء جامعا للناس وسببا للتواصل بينهم. كان المسجد او الجامع بالامس منحازا الى تلك المضامين التي اهلته لان يمارس حضورا فاعلا في البناء الاجتماعي ومساهما في صياغة ابعاده بمثل ما كان له من الحضور والفاعلية في انتاج المعرفة ، حتى كان في ذورة عطائه تمظهرا ثقافيا لاشكال الحوار والتواصل المعرفي بين الاطياف المتخلفة في الفضاء الاسلامي التي انتهت بكل أسف الى القطيعة لاحقا بفعل السياسة وما انتجته من نسق ثقافي استبدادي. ما يحضر اليوم من صورة المسجد في اذهاننا ليس اكثر من تلك القبب والمآذن والمحاريب وجموع المصلين الذين يرجون الخلاص في آخرتهم ، فالمضمون الذي صار اليه انصرف عن مطاولة الابعاد الاخرى لهذا المكان ، بيت الله الذي هو بيت الناس ، حتى صار في اكثر الاحايين بيتا للصلاة من غير ان يكون جامعا بالمعنى الحقيقي ، حيث تحضر الجماعة من غير ان نجد روح الجماعة. عوامل كثيرة ساهمت في ان يتمدد المسجد جغرافيا ومعماريا فقط ، ويتسور بحدود الفعل العبادي دون غيره ، فاضافة الى الدولة الحديثة ومؤسساتها التي اعادت تنظيم الادوار القديمة للمسجد ضمن تكوينات مؤسسية خاصة ، نجد ان البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية اسهمت ايضا في ايجاد انزياحات روحية ان صح القول في بنية المسجد ، فكما فرضت المجتمعات طرازاتها واذواقها الفنية في البناء المعماري للمسجد ، اضفت كذلك تصوراتها وتأولياتها لوظيفة المسجد وموقعيته الدينية اثرا في صياغة ادواره، وعلى نفس النول ذهبت الانظمة السياسية بتشريعاتها الى ايجاد صورة اخرى للمساجد تتواءم وطبيعة تطلعاتها ونظرتها لهذا البناء. اليوم لم يبق من معنى المسجد او الجامع الكثير مما تفترضه الصورة التاريخية فحتى روح الجماعة التي تستقر في رحم مفردة جامع خرجت بفعل حرص البعض على تقاسم المساجد وفق حصص فئوية واجتماعية و...، وربما تمادى البعض في استقلاله معولا للتفريق بين المسلمين ، واخراج فئات منهم من حدود الجماعة. فرادة المسجد بالامس كانت في مضمونه الثقافي والاجتماعي ، الامر الذي اهله ان يكون اخطر حدث ثقافي في تاريخ العرب بحسب فتحي مسكيني ، بينما اليوم تضاءلت تلك المساحة الفسيحة لكثير من المساجد ، فلم تعد بيتا مفتوحا لهموم المسلم الذي يحاول ان يوافق بين عصره وايمانه ، وبات الفرد يشعر بغربته في بعض المساجد التي يكثر فيها امام الجماعة من السفر الى التاريخ ، دون ان يمد يدا الى الواقع الذي يحتل كل وجدان هذا الانسان ، واذا ما اقترب منه ناله هو الآخر شعور بالغربة لانقطاعه عن التواصل معه. أثير السادة Atheer93@yahoo.com
رؤية اولية
من يراجع سيرة الشيخ حسن الصفار الكتابية على مدى ثلاثة عقود يمكنه ان يرصد طبيعة التحول الذي لحق بانشغالات هذا الرجل الفكرية ، فقد تركزت اصداراته في الحقبة الاولى في جانب نبش موضوعات النضال والثورة ،منسجمة في ذلك مع تداعيات المرحلة السياسية وبروز الصفار كرمز معارض للسلطة السعودية تحت مظلمة منظمة الثورة الاسلامية (1975-1990) ، وذلك بكثير من الافتتان بارهاصات وعي الثورة الايرانية آنذاك، كـ"الجماهير والثورة" وَ "الحسين ومسئولية الثورة" وَ "المرأة والثورة" وَ "اعلنا الولاء بالدم" وَ "الشعب يتحدى السجون" وَ "كيف نتحدى الطغاة" ، في حين انصرف لاحقا الى مطاولة موضوعات مغايرة تستمد مبرراتها من تحولات المشروع السياسي والاجتماعي لتياره المعارض ، وما يتصل بها من تغييرات على مستوى العلاقة بالسلطة والمجتمع ، وهي في عمومها موضوعات كاشفة عن استراتيجيات جديدة للخطاب الديني عند الصفار ، كما في "الوطن والمواطنة" وَ "التعددية والحرية في الاسلام" وَ "التنوع والتعايش" وَ "السلم الاجتماعي" وَ "التسامح وثقافة الاختلاف". هذا المدخل ضروري لتشخيص الخطاب الاصلاحي عند الصفار ، فخروج مفردة "الثورة" ودخول مفردة "الاصلاح" الى حيز الممارسة السياسية استتبعه مراجعة للمنظومة الفكرية وتطوير لادواتها ومفرداتها وموضوعاتها ، وذلك باتجاه التخفف من قلق الايدلوجيا ، وبالتالي التطوير لبنية العلاقة مع الآخر ونمط حضوره في دائرة التفكير. الخطاب الجديد ان جاز القول لا يقوم على ممارسة التعبئة والتحريض كما في الطور الاول يوم كانت فاعلية الخطاب مرتهنة باعادة انتاج عاشوراء جديدة وتكثيف دلالاتها السياسية ، فالثورة هي الشفرة المشتركة في الكتابة الاولى ..فكرة محورية تدور حولها مقاصد هذا الخطاب وموضوعاته التي ابانت عن اخلاصها لاقتراحات الوعي الثوري كمرجعية ناظمة لاتجاهات التفكير ، منتجة لرؤى كان يعتقد بأنها تتواءم واحتياجات المرحلة. حاول الصفار ان يعاود استثمار التراث الفكري باستيعاب اشاراته المقابلة ، أي كل ما يؤسس لمعنى الاصلاح ويتيح امكانية اكتشاف معادلة اجتماعية وسياسية جديدة ، تتعامل مع الواقع المحلي وتتجاوز تصويرات القراءة السابقة الملتبسة باستحضاراتها الواعية وغير الواعية لتعبيرات الثورة ، فكان ان تخير منطقة تفكير جديدة لها قبلية الخفض من مستوى الايقاع الايدلوجي للخطاب والاستجابة لاشتراطات الواقع الانساني واحتياجات الاجتماع السياسي الاسلامي ، وبدأ بمراجعة معرفية وتاريخية لجملة من المفاهيم منها : التعددية والحرية، الحوار واحترام الرأي الآخر ، السلم الاجتماعي ، التنوع والتعايش ،واستطاع من خلالها البرهنة على اصالة هذه المفاهيم في التصور الديني. كانت هذه المحاولات في مجموعها تجهد لتنقية الوعي الديني من ترسبات الصراع الطائفي واشكالات الاسلام التاريخي ، اي باعادة التمييز بين النظرية والممارسة، حيث انه "لا يمكن الادعاء ان تاريخنا وتراثنا كان متطابقا بالكامل مع رؤية الاسلام" (كتاب التنوع والتعايش) ، واستقصاء ما حجبته الايدلوجيا الدينية واستزرعته من نصوص ضمن سعيها لتكييف الخطاب الديني وصياغة حقائقه، وفيها يقترب الصفار كثيرا من الآخر الديني/المذهبي ويفيد من امكاناته الفكرية في محاولته لاعادة انتاج تلك المفاهيم. وهكذا يتسع الخطاب لمواصفات جديدة ضمن استراتجية علاقته بالآخر ، والنظرة الايجابية للاختلاف والتعدد ، فهو لا يسعى للانتصار الى نزعة مذهبية او التأكيد على حقانية معينة وانما يبتغي التواصل مع الساحة الدينية بعمومها ، وهذا ما يستوجب نفسا مختلفا في التفكير والمعالجة عن الاتجاهات الاحادية/المذهبية، والالتفات الى مساحة المشترك في فضاء التعددية ، وهو لذلك يشدد على اهمية التعرف على الآراء المختلفة ، باعتبارها سلوك الانسان الباحث عن الافضل ، مستهجنا الانغلاق ومبرراته ، وما يظهر منه بين العلماء المسلمين انفسهم، معتبرا ان الاسلام قد جاء داعيا للانفتاح ، وهذا الانفتاح على الرأي الآخر مشروط في رأي الصفار بالانفتاح على الذات اولا ، حتى يحقق مقاصده. والحق ان هذا الخطاب الجديد لم يسع الى تقديم رؤية دينية مغايرة في مناهجها واستنتاجاتها بقدر ما انشغل باستعادة الاصوات الاكثر اعتدالا واستثمارها في تركيب صورة جاذبة للخطاب الديني ، أي انه يتحرك على مستوى استراتيجية الاستثمار والتوظيف للمخزون الفكري لهذا الخطاب ولا يمضى الى مصادمته ونقد آلياته كما تفترض الاتجاهات المعاصرة في نقد الخطاب ، اذ انه يتوسل ذات الادوات المفهومية للخطاب الدوغمائي مع شيء من الاصطفائية التي يوجهها طغيان الهاجس الاجتماعي عند الصفار ، باستبعاد مفهوم واستدعاء آخر ، من غير ان يجاوز منطق التبسيط لافكاره التي لا تذهب بعيدا في مجادلة تراكمات الفكر الديني ، وتكتفي في احيان برميها في خانة الضد من "الاسلام الصحيح"!.(شخصية المرأة ، ص127). هذا النمط من التعامل مع الافكار وان كان لا يخرج الفكر الديني من دائرة اشكالاته التنظيرية الا نه يملك استحداث موقف جديد في مواجهة القراءات المتشددة التي تروج للشارع اجاباتها الحاسمة وترسخ من منطق الدوغمائية الدينية ، ولعل هذا ما يفسر طبيعة التفاعل الثقافي مع اصدارات الصفار الاخيرة واشارات التودد التي قدمتها اصوات هاربة من فضاء التعسف الديني ، ومنها اصداره "التنوع والتعايش" الذي يماثل اصداره الآخر "التعددية في الاسلام" في سعيه لشرعنة التعدد والاختلاف في الاسلام. في هذين الاصدارين ، يجعل الصفار من "حرية الاعتقاد" جوهر الوجود الانساني ، فمن دون هذه الحرية لا معنى لانسانيته على حد وصفه ، وعلى ذلك يصبح التسامح والحوار واحترام الرأي الآخر امورا مطلوبة للتعاطي مع اشكال التعددية الفكرية ، بغض النظر عن صوابها، فالتنوع والتعدد برأيه سنة كونية ، وما يجري من اختلاف في ساحة الفكر يعزوه الى تفاوت في الوعي والادراك ، الامر الذي يجلوه موضوع الاجتهاد ، باعتبار ان الاجتهاد احد اسباب التعددية في الفكر الديني. ومن هنا يحرص الصفار على التمييز بين الدين كنصوص مقدسة وبين اجتهادات البشر التي لا تمثل الا معرفة غير معصومة من الخطأ ، ولهذا يدعو الى التعامل مع التراث بعيدا عن التقديس فهو بالنهاية في ماعدا النصوص الشرعية خبرات البشر ومحاولاتهم لفهم النصوص ، والتي تتلاءم وطاقاتهم وظروفهم المحيطة. لكن هذا لا يعني ان الصفار منهم بانتاج وعي نقدي بالتراث الديني ، لان انتاج هذا الوعي يستوجب نوعا من المصادمة مع الطروحات السائدة ، ما يجعل الصفار مكتفيا بنقد الاجتماع السياسي الديني بدلا من مطاولة البنى الفكرية لكثير من العناوين المضخمة للهوية الطائفية ، فهو كخطيب ديني وصاحب مشروع سياسي لا يملك التفكير خارج سياق علاقته بالشارع واشتراطاتها ، وهذا ما يدفع البعض الى القول بتياين استراتيجيات الخطاب على مستوى الكتابة والخطابة، حيث مازال الخطاب المنبري يحتفظ بنبرته التعبوية وتمركزه حول الذات. أثير السادة
حساسية العلاقة بين السلفيين والشيعة لم تتوقف عن حدود ما يطفو على السطح من قطيعة وتنابذ اجتماعي ، ومواجهات فكرية مستمرة عبر المنابر الاعلامية، ان على شكل مطبوعات وبيانات او مواقع الكترونية، او حتى مواجهات دموية كما في باكستان، فهي تتعدى ذلك لتجعل من مسألة وعي الذات ووعي الآخر لكلا الطرفين امرا متصلا بما تمليه افرازات هذا الصراع ، أي انها تندس في بنية الوعي ذاته وتقترح عليه شروطه وحيثياته، فمناخ التفكير وما يتوالد فيه من اسئلة وانشغالات معرفية وممارسات ثقافية ينبئ في الغالب عن ذلك القلق العقائدي الذي لا ينفك يذكرنا بالنزاع التاريخي بين الطوائف حول "الاسلام الاصيل", باعتباره خلاصة المجموعة اللامتناهية من ادوات الاقصاء والاخصاء للآخر في الدائرة الدينية. هذا التراكم من السجال الطائفي بين الاثنين اسهم في انتاج خطابات دينية متشابكة مع ايحاءات هذا النزاع ، تنزع على الدوام الى خلق صورة عن الذات من خلال ادراك طبيعة الفوارق مع الآخر الطائفي، وهو ما تولد عنه خواطر وافكار واعتقادات وظيفتها تضخيم تلك العناوين والفوارق كوسيلة للابقاء على المسافة بين الذات والآخر. وعلى ذلك سيبدو الواقع في ابعاده الاجتماعية والزمانية والمكانية امرا فاعلا في كيفية ادراكنا لهويتنا ، وما نستعيره من مفردات وادوات وممارسات للتعبير هذه الهوية ، فالهوية بما هي معطى متغير تتشكل في اطار علاقتها بالانساق المنتجة لها ، تحمل في داخلها هذه التفاعلات والخصوصيات التي تجعل منها انعكاسا لهذه الجدلية مع الواقع، بنحو لا يمكن افتراض استقلالها عنه. وهكذا يمكن ان نلمس كيف يجري مثلا اعادة انتاج الهوية الدينية للطائفة الشيعية في دول الخليج انطلاقا من محصلة الجدالات الطائفية التي تخوضها ضد الخصوم، وحضورها الدائم في احالات الخطاب على جوهر الذات/الهوية، ويمكن ان نرصد عددا من المفردات والمقولات التي تمثل عنصر الحسم في الذهنية العامة للتعبير عن الذات/الهوية، وهي وان كانت تندرج ضمن الارث الفكري العقيدي للطائفة على نحو العموم الا انها تختار هنا موقعا متقدما ، يرتبط بمكانتها في الصراع وليس بالضرورة بموقعها في المنظومة الفكرية، وبهذا النحو تعاود الذات الشيعية تركيب هويتها ضمن استراتيجيات الدفاع عن مجموعة من ابنيتها النظرية ومواقفها الفكرية وممارساتها الاعتقادية. لن تكون هذه النظرة الى الذات/الهوية بعيدة عن تأثيرات "العامل الايدلوجي في الصراع" ، فهي تجهد الى تبرير آلياتها ونتاجاتها المعرفية بدلا من توسيعها وتطويرها في غمرة حماسها للافتراق عن الآخر والتمايز عنه، وهذا ما يستدعي في معظم الاحيان استبعاد مبادرات نقد الذات وامكانيات الانفتاح على الآخر ، طالما استقر في وعيها استحقاقها لمقولة "الاسلام الاصيل"، اضافة الى استمرار ادانة الآخر والتي ستبقى قضية مركزية في الخطابين السلفي والشيعي، فقوة الطرد التي يمتاز بها الخطاب السلفي تجد لها صدى مقابلا عند نظيره الشيعي ، بنحو يحيل الصراع المعرفي الى صراع ايدلوجي ، ويساهم في صناعة سلفية مضادة ، مشغولة بتقسيم النار والجنة بين الناس في الدنيا ، واضفاء قيمة اعتقادية على كل ما ما يتعارض بين الخطابين ، ناهيك عن نزوعها الدائم الى جعل التشيع كما هي السلفية اسلاما في مقابل الاسلام. لقد كرس هذا الصراع خطابا تحريضيا تعبويا ، لا وسيلة له لفهم الدين الا تقويض مقولة الآخر ، وتغذية الرؤى والتصويرات المؤدلجة ، والانكفاء على مقولات و تفسيرات دينية متورطة بترسات تاريخية من حقب النزاع الطائفي، فاسترجاعها مبنى على قيمتها الايدلوجية لا المعرفية، انطلاقا من آلية انتخابها ووصولا الى انماط توظيفها واستثمارها في الخطاب. واذا ما كانت ثمة محاولات لزحزحة هذا النمط من الفهم الديني من داخل وخارج دائرة الصراع ، سواء على مستوى الفكر السلفي او الفكر الشيعي ، فليس من المتوقع ان تتمكن من اختراق جملة الانساق المولدة لهذا الفهم ، او استبدال مكانيزمات الهوس الطائفي ، بل ستحضى بممانعة اجتماعية وفكرية دائمة ، طالما ظلت الثقافة الطائفية التي يتغذى عليها الاجتماع الديني اكثر قدرة على صوغ الواقع وتكييف تصوراته الدينية ، وهي الثقافة التي مازالت تحرسها دوائر انتاج الفهم الديني الرسمية عند الطرفين.
<<الصفحة الرئيسية








