انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

شذرات من خطاب ديني جديد

حفلت الساحة الشيعية في السنوات الأخيرة بعدد مهم من المجلات الفكرية التي تمارس الاشتغال على الأسئلة الجديدة في فضاء الدين والثقافة وتجهد للتواصل مع الآخر المختلف في محاولة لتحريك الساكن في المشهد الديني والخروج من احتباسات الخطاب المدرسي الذي تؤسس له الدوائر الدينية.
 
تجد هذه المجلات جوهرها في استدماج الآخر المختلف ضمن عنوان التثاقف الواسع الذي تمضي به الى تقويض هاجس التحلزن على الذات، وتأسيس لغة حوارية لا يكون فيها الآخر صورة من الشيطان بل مكملا لمعنى الوجود الانساني، ومساهما في تراكمات الثقافة.
 
«
المنطلق الجديد»، «الحياة الطيبة»، «قضايا اسلامية معاصرة»، «المحجة»، «نصوص معاصرة»، «الكلمة» وَ... قد تفترق في نمط محاولاتها لارساء هذا المعنى، بيد انها جميعا تحاول الالتصاق به بشكل صريح وهي تؤسس لتلك المسافة من التسامح مع الافكار المختلفة والاصوات التي تمارس خروجها على نوتات الانشاد الديني، متجاوزة بنحو او بآخر طوق الشبهات الذي يصوغه الاجتماع الديني بضجيج المتوجسين من الاختلاف
 
واضح ان هنالك نفس جديد يحاول الافتراق عن كلاسيكية الوعي الديني السائد والانزياح باتجاه الانفتاح على معطيات المعارف الانسانية الحديثة لاعادة قراءة الموضوعة الدينية في رؤية معاصرة، او لاكتشاف مساحة «اللا مفكر فيه» من قضايا الدين، والتي تبدو في عمومها انعكاسا لتطورات المعرفة الانسانية بميلها الى التشديد على نسبية المعرفة وتاريخية الفكر.
 
هذا النفس بالتحديد هو ما يسوغ لذلك الحوار وّ الجوار المعرفي على ظهر الورق بين شايغان وسروش واركون وسبيلا، او بين الشيخ واعظي وسبشتري وملكيان وفضل الله في«قضايا اسلامية معاصرة»، وهو نفسه ما يأخذنا الى ترجمات بول ريكور، ومراجعات ادريس هاني وباقي المثقفين المغاربة في «الكلمة»، ويذكرنا بنصر حامد ابوزيد ومحمد شحرور وسيد طباطبائي مدرسي في « الحياة الطيبة».
 
لن تبدو هذه الاصدارت بالطبع متكيفة والمزاج العام في الوسط الديني الذي يحتمي بالتراث ويتوجس من صورة الاختلاف، بل يجهد الى طمسها وامحائها من ذاكرة الوعي الديني اذا ما نالت من تماسك الصورة المعروضة عن الذات، لذلك ستبدو فصلية «قضايا اسلامية معاصرة» مثلا محل شك وريبة طالما ظلت تفكر في فتح ثغرات لاطلاق عملية التفكير واثارة الاسئلة، ولن تملك «نصوص معاصرة» رغم اقتصارها على ترجمات عن اسهامات الوعي الدين في ايران الخروج من دائرة التهمة لحملها عنوان الانفتاح على الاختلاف والقراءات المتعددة.
 
وكان الأزهر قد صادر قبل عام عددا من مجلة الحياة الطيبة اللبنانية والتي يرأس تحريرها الشيخ نجف علي ميرزائي، المستشار الثقافي الايراني في لبنان، لاحتوائها على دراسة عن افكار الدكتور نصر حامد بوزيد، وصفها الازهر بأنها لم توضح زيف افكاره وبطلانها، كما استصدر بعضهم مؤخرا فتوى من الشيخ جواد التبريزي ضد مجلة نصوص معاصرة التي يرأس تحريها الشيخ اللبناني حيدر حب الله بدعوى ابرازها للافكار والشخصيات المنحرفة.
 
بهذا يمكن ان نفهم طبيعة التباين في الحساسية الدينية بين ما تؤسس له تلك النخب الدينية الجديدة في الوسط الشيعي، وما تنتجه الدوائر الدينية التي مازالت تعيش لحظة السؤال الطائفي وتداعياته وكل فصول جدالاته الكلامية المتوارثة عن القرن الرابع بنحو يختزل كل حضورها الفكري والمعرفي في هذا المدار.
 
ويبقى الرهان على اسهام هذه الاصدارات في اخراج الوعي الديني من لحظة «الشعور بالاناقة» المفرطة الى لحظات القلق المعرفي الخلاق، وتوريط دوائر انتاج الثقافة الدينية في شراك اسئلتها التي تمعن في انغماسها بالواقع والحياة، وتحاول معاودة اكتشاف الماضي بالحد الادني من انحيازها للذات.

 أثير السادة

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية