انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

مساءلات في وعي الصورة

(1)

مزالق الصورة و اوهامها

 

أثير السادة

 

الحرب كانت  مشتعلة ، وبين الخراب والصور سيل عواطف وانفعالات تأخذنا الى الاقتراب من الحدث حد استيهام الحضور فيه ، حرب ندعي اننا نراها لحظة بلحظة ، وهو ادعاء قائم على ادعاء النقل الحي ، والصورة المباشرة التي تستاهم في تدمير المسافة واختراق الزمن ،  فالصورة لم تعد تأسيسا لحدث ماض كما في الفوتوغرافيا، بل لحظة حاضرة تعيش الديمومة والحياة.

 

الصورة جزء من نزف المشهد المتمادي في تشخصيه للفجيعة، وشاهد على وجوده  قبل ذلك ، فيه  تنساب بسهولة ضمن التتابع المستمر لحركة الكاميرا ،  حيث يجري استعراض قدرات الصورة على تمثل الحقيقية ، فوظيفة الحركة هي تعزيز المعنى الذي يتوالد من جدل العلاقة بين الصورة والحقيقة.

 

سنستعين بالصورة لاختزال المسافة بيننا وبين مشهد الحرب ، سنتقوى بها لانماء احساسنا بالامتلاء بتفاصيلها، فاذا كانت الصورة لا تدعي انفرداها برواية الحقيقة ، فإنها تدعي على الاقل تحولها عنها ، وانكشاف الأخيرة بها، ، وقدرتها على تطويع المسافة بينها وبين الواقع، فالصور المتدفقة لا تنفك عن الدفاع عن وجود هذا الواقع ، فلا يمكن ان تنشأ الصورة الا عن اصل سابق هو بالضبط ما تحاكيه وتسعى الى تمثله.

 

لذلك سنتكئ على الصورة اكثر من سواها لتأسيس علاقتنا بهذا الحدث ، علاقة لا يمكن فيها اغفال  تلك الدهشة الانسانية بكل ما هو بصري ، على اعتبار ان حاسة الابصار هي الوسيلة الاكثر جدارة في ادراك الحقيقة ، وهذا ما يدفع باتجاه التواشج بين الانسان الحديث وصناعة الصورة التي تجاوزت لحظة التبشير بالحقيقة الى التدخل في بنائها.

 

وجد الناس طريقا لمعايشة الحرب عبر الصورة ، لكن الصورة في افضل الاحوال لا تملك مقاربة الحقيقة بنحو مطلق ، قد تزيد من حظوظنا في رؤية الاحداث التي تمتد على مساحة الزمن في مكان الحرب الا انها تبقى خليطا من سلطة الواقع المنقول وواقع السلطة الذي لا يمكن استثناء حضوره في لحظة انتاج الصورة ، سلطة القتنية ، سلطة المصور ، الجهاز الاعلامي ، اي ان الصورة من حيث تكوينها وتحولها الى مادة جاهزة للمشاهدة هي امتداد لتصورات الخطاب المنتج لها، وبالتالي لا يمكن الحسم بكونها نقلا محاديا بقدر ما هي تأويل لهذا الحدث او قراءة في ابعاده.

 

حتى النقل المباشر الذي يبدو في لحظة تماس مباشر مع الحدث بلا فواصل زمنية ، متصلا بلحظات جريانه وآثار حركته لا يملك الحفاظ على صفاء الحقيقة المنقولة ، فالرؤية غير المعرفة ، اي ان رؤية هذا السيل من الصور لا يكفي لتحقق معنى المعرفة ، وهذا ما يدفع روجيس دوبريه للتحذير من ما يسميه الوهم الابستيملوجي الناشئ عن صدى الصورة التلفزيونية وظلالها ، فهذه الشاشة المضيئة ليست مفتوحة على كل الابعاد.

 

هذا ما يحرض الشك لكي يمضي في مساءلة الصورة ، للكشف عن شطحاتها ، نصها المعمي ، والتحقق من قيمتها ، في وقت لا تملك فيه الصورة الا ان تكون موضعا للكثير من الاسئلة المعرفية والاخلاقية ، بعد ان باتت تأخذ موقعها ضمن اسلحة المواجهة بين الاطراف المتحاربة ، بطواعيتها وقابليتها لاعادة التدوير والانتاج وفق اشتراطات المعركة ، فهي لم تعد مماثلة للصدق ، ولا قريبة من التجرد في بيئة التقنية الحديثة.

 

 

 

(2)

اخلاقيات الصورة...من الغرف المظلمة الى الفوتوشوب

 

الصورة الفوتوغرافية شاهدة على الحروب ، لكنها لا تملك البرهنة على كل ذلك الزمن المتدفق ، هي معنية الامساك بخيط من هذا الزمن وتجميده، لحظة هنا او اخرى هناك،  ولذلك كان عدنان الحاج مصور وكالة رويتز قد رأى بأن اعمدة الدخان المتصاعدة من الابنية في صوره غير كافية للتدليل على اختناق المدينة وبكاء سمائها ، فراح يضرب بفرشات الفوتوشب السحرية ليمنح العمق لالوان الدخان.

 

ضربة واحدة او اثنتان لا يهم..لكن الاهم انها كانت ضربة لمصداقية الصورة بحسب الوكالة التي ارتأت تسريح المصور بعد اتهامه بالتلاعب في صورة من صور الحرب باستخدام برنامج الفوتوشوب، وبعد ان تلقفت الاصوات الاسرائيلية هذه الصورة لتجعل منها وسيلة ادانة للمناوئين لها في الحرب ، والتشكيك في صدق اعلامهم.

 

بالامس كان السؤال مختلفا ، يوم جاء الفوتوشوب واخوانه الى عالم الصورة .. كان سؤالا جماليا بالدرجة الاولى ، سؤالا عن فعل التقنية وفعل الانسان في صناعة الصورة ، عن حدس الفنان وذكاء البرامج الناعمة ، ولذلك ماتزال هنالك مساحة من توجس تجاه الصور المعالجة ، ومحاولة دائمة لتطويق تدخلات هذه البرامج في الصنعة الفنية ، سواء في المسابقات ، او المعارض الفنية.

 

هذه العلاقة الجديدة مع الصورة في عالم الديجتال تحديدا حولت الصورة الى مادة قابلة لاعادة التركيب ، اخرجتها من نسق الصور الثابتة التي يتم تظهيرها في الغرف المظلمة الى احتمالات التحول عبر الحدف والاضافة والتعديل والتبديل، وعلى هذا الاساس يمعن المصور في تدخلاته في بناء الصورة ، ضمن معالجات لاحقة متممة ، يمكن من خلالها التأكيد على  مزيد من الانزياحات الواعية  التي تعزز تصورات الفنان بنحو مباشر  ومقصود، وهي التصورات الحاضرة قبل ذلك في انتقاء الموضوع وزاوية الرؤية والتأطير وباقي العناصر المنتجة للصورة في شكلها النهائي.

 

الصورة الفوتوغرافية اليوم اكثر مرونة ، اكثر طواعية،  تبدو كمجموعة "بكسلات" قابلة للحركة،  وعليه تتكاثر احتمالات الخداع ، اي بنحو هدم معنى وبناء آخر ، واذا كانت الصورة في وجهها الابداعي تعيش اسئلة جمالية مع تنامي حضور الفوتوشوب ، او لنقل فنية لمزيد من الدقة،  فإنها في وجهها الوثائقي تواجه اسئلة اخلاقية حول مصداقيتها وقيمتها ، حول التزام المصورين برواية الواقع كما يرونه عبر الصورة.

 

الحروب الاخيرة كانت  مختبرات بحق لهذا المعنى ، حيث الاتصال المباشر بالحدث ، والحضور الميداني المتواصل ، وحيث التوظيف المستمر للصورة في دعاية الحرب ، فالصورة تكشف بقدر ما تحجب ، وتبدي طواعية لمن يرسل اصابعه فوق ازرار الكاميرا ، ومن يحملها الى وسائط المعالجة والتطوير .

 

يجري الحديث الآن عن قواعد للصورة  على غرار قواعد اللغة، عن ضوابط شاملة للحدود الممكنة للتغيير في بناء الصورة ، عن الحد الادنى والحد الاعلى لتأثيرات الفوتوشوب على قيمة الصورة ومضمونها، وذلك فيما يختص بالصورة الصحافية التي من المفترض ان يتقدم فيها هاجس رصد الحقيقة على اي شيء آخر ، من اجل الحفاظ على قدر من المهنية ، وقدر من الموثوقية في قيمة الصورة ، في مقابل اغراءات برامج المعالجة ومرشحاتها سهلة الاستخدام ، والتي اختصرت زمن الاحماض الكميائية بحزمة ضربات خاطفة على لوحة المفاتيح، ورشحت الصورة لمزيد من الخيانة في علاقتها مع الحقيقة.

 

من المؤكد ان عدنان الحاج لم يغير مجرى الحرب على لبنان من خلال الصورة على حد وصفه ، غير ان الصورة بدخانها اعادت تذكيرنا بعقائدنا في الصورة ، وباتساع رقعة السؤال الاخلاقي الذي تحياه في هذا العصر  ،فما بين الدخان الصورة والدخان الحقيقة ثمة عين تجهد للتكيف مع شروط البناء الجديد للصورة ، واجتياز امتحاناتها.

أثير السادة

 

(3)

إبتسامة على شرف الموتى

 

مذيعة الاخبار في القناة س مشغولة بارسال اصابعها الى شعرها بغرض تصفيفه وهي تقرأ علينا خبر مقتل 25 شخص واصابة مائتين في انفجار سيارة مفخخة ، فيما المذيعة الأخرى في القناة ص ترسل ابتسامة عريضة عقب تذكيرها لنا بهذا الخبر وصور منه في نهاية النشرة.

 

ما عاد في وارد الاحتمال ان تنفجر الاحاسيس ويسترسل المذيع او المذيعة في البكاء كما جرى مع المذيع البحريني في قراءته لخبر ملجأ العامرية في مطلع التسعينيات ، فالمسافة طويلة بين المشهدين ، لتكاثر روايات الموت المجاني في هذا الفضاء المزدحم بقنوات البث، ووفرة الصور المرافقة لها.

 

أحيانا لا تعرف ان كان ما تنظر اليه تلفاز ام ثلاجة موتى لكثرة ما يعرض من صور الموت اليومي التي تكشف لنا رخص الارواح في هذا العالم الثالث ، أرواح لم تجد الوقت لتشارك سقراط السؤال عن كيف ينبغي لها ان تحيا لأن هنالك من قطع عليها الطريق باكرا واختار لها السؤال والاجابة عن كيف ينبغي لها ان تموت. 

 

حياتهم المنهوبة برسم النزاعات والصراعات  تمر من امامنا يوميا في شريط الاخبار الذي يبدأ بهم كإقرار باستحقاق الحدث لا الاشخاص للالتفات واثارة الانتباه ، وينتهي بطرائف الاخبار أو بالرياضي منها، لينضم ذلك الشريط ايقاع مشاعرنا وفق هذا التعاقب الذي سينتهي بنا الى شيء من الألفة مع سيل الصور المتناقضة في الوانها واحاسيسها ، وقد ينتهي الى عطالة في قدرات العين على تحويل مشاهداتها الى ادراكات ومن ثم انفعالات بوصفها وسيطا لفك شفرات الصورة.

 

الشاشة الصغيرة ستحقق رهانها  في تصغير كل تلك الاحداث لتوائم حجمها ، حتى نكاد ان ننصاع لخيارها ، فنرى كل تلك الكوارث والمآسي صغيرة ويمكن طيها في هذا الشريط الاخباري المتسارع في وصفه ورصده ، فهذه السرعة كافية في احيان كثيرة في تمييع هذا الخبر او ذاك.

 

ستحبس الاعلانات التجارية دمعنا بعد كل جولة خبرية ثقيلة ، مذكرة ايانا ببهجة الحياة قبل ان نقطع شوطا بعيدا في لجة الحزن والكآبة، لتنقذ مشاعرنا بين وقت وآخر من الوقوع في تصورات سوداوية تبعدنا عن المتعة المنشودة من فعل المشاهدة، تلك المتعة التي كانت سببا في انجذابنا الى التلفاز، واستئناسنا لهذا الوسيط الذي يراهن على انفتاحه الدائم على اشكال الترفية والتثقيف ، وعلى جاذبيات الصورة التي بسطت نفوذها على مختلف وسائل الاتصال والتواصل الأخرى.

 

وهكذا بات بالامكان خلط ايقاع الحرب بايقاع الرقص والموسيقى ، وممازجة اخبار ضحايا المفخخات بآخر اخبار السيارات الفاخرة ، بما يحقق قدرا من التآلف النغمي بينهما يذيب الفوارق في مستوى استجاباتنا للاثنين.. مجرد نبضات متشابهة يمر بها القلب في كلا المشهدين بعد ان ترسبت فكرة المتعة في بنية المشاهدة ، وحتى آلت مشاهد الكوارث الى التسويق من خلال الاعلام تحت عنوان الامتاع والتسلية ،فاصبح الموت او ما يماثله في قصص الاعتداءات وجبة متاحة للجميع للاحساس بتجربة بديلة لكن في استجابة باردة لكونها تمثل حدثا بعيدا وقد مضى ، اي اننا لا نعيش في حال تماس معها لتلك المسافة الزمنية والجغرافية، ومعها  اضعنا بوصلة المشاعر.

 

نهاية كل نشرة يغادر المذيع موقعه  كقارئ شجاع ،قوي القلب، للأخبار الساخنة ، ويستمر المشاهد في دوره كمتفرج يكثر من الحوقلة ،  ويرسل صوت احتجاجه الى داخله ، بانتظار فاصل اعلاني يمسح غبار المشاهدة المرة!، في حين عروض الموت الارتجالية مستمرة بلا توقف في كرنفال الدماء الرخيصة!.

 

أثير السادة

 

 

 

 

..

غواية الصورة أم غواية اللغة
 
(4)




هل الصورة خرساء ؟ ام هي ثرثارة بصورة مسرفة؟

 

سيصبح هذا السؤال ملحا كلما دنوت من عالم المحلليين والكتاب وفرسان اللعبة السياسية وهم يطالعون صور الحرب ، ويبتكرون التفاسير لهذه الاثارة البصرية التي شهدناها ومازلنا نشهدها ضمن امتدادات الحرب الأخيرة في لبنان، فالاستجابات المتباينة تجعل من شروط ادراك الصورة محل تساؤل جاد ، لا بنحو المساءلة في شأن موثوقية الصورة من عدمها ، بل في طاقتها الدلالية، وقدرتها على التأشير ، وجدارتها كأداة اتصال،  ومساحة التأويل الممكنة فيها.

 

هذه مسائل قد تستحضرها بشيء من القلق والدهشة  وأنت تلاحظ هذا التدافع ناحية ترميم بناء الصورة وجمع آثارها بين المختلفين حول تلك الحرب وملابساتها ، من اجل ابتكار المعاني التي تعزز من معادلات الصراع ، والذي سيصبح أكثر حدة مع ازدياد توظيف الصورة في فضاء السجال السياسي ، وازدياد حضور الصورة في المشهد الانساني اليوم.

 

ليس ثمة درجة صفر للنظر  ولا صورة في حالة خام كما يقرر دوبريه وعليه ستبقى سيناريوهات التأويل متصلة بذواتنا وتمظهراتها التي مهما بالغت في تجردها ومهما حاولت التفلت من ذاتيها تبقى انعكاسا لصورة هذه الذات وقابلياتها، وما يدخل في حساب معارفها ومواقفها، ومتصلة ايضا بهذه الطبيعة التي تجعل من الصورة دفقا من المعاني الكثيفة القابلة للتكاثر في سياق وظيفتها الوسائطية.

 

ولأن الصورة تجهل نفسها سيتبرع سدنة الصورة في كل مرة بفتح طريق الى معانيها وهم يطلون بعباراتهم وتفاسيرهم جسد الصورة ، ليصبح شبيها بانتماءاتهم الايدلوجية وصياغاتهم المقترحة لهذه الحرب التي يراد لها ان لا تغادر ذروتها الدرامية.

 

هنا لا تملك الصورة مناعة امام روغان اللغة ، والتي تدعي انها تتبني مهمة ترجمة وتأويل هذا المرئي بالكلمات ، فنحن نبصر باللغة ونعبر عن ادراكاتنا من خلالها ، وعليه سيكون مقدرا دائما ان تتسرب اليها الاعيب اللغة واشتراطاتها ، ضمن ممارسات التحليل واشكال التعبير التي ستضمن لنا شكلا مفترضا من العلاقة مع الصورة ، شكلا يتوافق وتشكيلات الخطاب الذي يقود عملية التفكير في الصورة.

 

فالكلمات تمارس فعلها في جسد الصورة ، تحيله نصا تم الطاعة لشروط اللغة، كما ستأخذه عنوة الى سعة الاحتمالات ،  فهي لا تخبرنا بحقيقة الصورة بقدر ما تخبرنا عن الاحتمال الذي ترشحه لاستبعاد الاحتمالات الاخرى ، وهي احتمالات تنمو كلما بحثا للصورة عن سياق تضاف اليه، وتتموضع فيه.

 

اذن هي غواية اللغة اكثر من كونها غواية الصورة التي تجعل من مندوب اسرائيل في الامم المتحدة لا يرى في مجزرة قانا الثانية الا صورة من عرس كبير مفترض يقيمه حزب الله وايران لنجاحهم في جر اسرائيل لهذه الحدث المأسوف عليه ، وهي ما يعين كاتبا مرموقا لاختزال  كل صور القتال والمواجهة الباسلة للمقاومة في صورة الخميني والخامنئي المنتشرة في شوارع الضاحية ، ويدفع آخر لتحويل زحف الحشود الى مهرجان الانتصار من اعلان صريح بمكانة المقاومة في وجدان الشارع الذي تنتسب اليه الى مجرد حشود خائفة من خراب جديد.

 

من المؤكد ان للصورة وجوها ، أبعادا ، مساحة للإختلاف  غير ان ثمة صور عارية ، فاضحها في معانيها ، لا تحتمل كل هذا المعاطف التي يتركها المحللون على جسدها ،والتي ترمي الى تزويغ المعاني ، وجعل الصورة جسدا مستباحا لتأويلات خشنة ، لا تبيحها الا شرائع الروغان التي تتيحها استعمالات اللغة.

 

أثير السادة

 

 

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية