انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

مدونات...كاتالوج الفقر والتشرد

مدونات...كاتالوج الفقر والتشرد

 

تذهب بنا الشاعرة هيلدا اسماعيل في تجربتها الضوئية الأولى "مدونات" الى اكتشاف جاذبيات الابيض والاسود فوتوغرافيا وهي  تضيء لنا الطريق للعبور الى شوارع الفقراء والمشردين ، للولوج الى عالمهم الانساني الذي يتمحور حوله المعرض.

 

هناك بين شهيق الشوارع وزفيرها يتمدد الفقراء بأجسادهم المنسية على الأرصفة ، يتنفسون في عبور المارة بعض المال الساقط من قلوبهم ملفوفا ببعض ازهار الشفقة التي قد تبعد الفقير مسافة قصيرة من احتمالية الموت جوعا..هناك تقف التجربة البصرية لصيقة من موضوعة ليست للترفية او الاستهلاك ، بل لإيقاظ العين وشحذ الانتباه، استحضارا للحظات من هذا الهامش الانساني الذي نختزله غالبا في نظرة شفقة باردة.

 

لا تنشغل اسماعيل كثيرا باختبار التكونيات وانتقاء الزوايا ، فهي لا تراهن على الحسابات الفنية في التقاط الصورة بقدر رهانها على تكثيف اللحظة الانسانية وتزخيمها ، هي بالتحديد متحيزة للمعنى الذي يصوغه الحدث في ومضة عابرة لا تحتمل الاعتناء بالتطبيقات الفنية للتصوير ، دون ان يكون ذلك حائلا دون الوصول الى معالجات فنية لاحقة لابعاد الصورة وانماط تأطيرها، ولذلك ستجد في الابيض والاسود فسحتها التعبيرية وهي تجرد الصور من اطياف اللون بحثا عن طقس لوني شديد الاخلاص للموضوعة المركزية، مع استثناء بعض الالوان التي تختارها ضمن عملية تصميم المشهد وبناء دلالاته.

 

ستحيل المعرض الى كاتالوج لأشكال الوجع اليومي الذي يحياه المشردون ، تتنوع الامكنة وتختلف الهيئات والهويات غير ان الصور تمضي الى تكاملها في استدعاء الطابع المأساوي لمصائرهم المتأرجحة على حد الفقر ، ترصد انحناءات اجسادهم ، ذبول عيونهم ، وايديهم الممدوة باتساع الطريق بوصفها تمظهرات درامية في بنية النص البصري الذي سعت الى الامعان في تأويله عبر نصوصها المتداخلة مع تكوين بعض من الصور المعروضة.

 

لا يقرأ سردها الصورة ، لا يقترب من نسيجها الداخلي ، لا يحاورها ، كان السرد في الغالب أقرب للشروح والتعليقات منه الى الانفتاح على تفاعلية النص والصورة ، وهو الأمر الذي جاء على حساب المساحة الخلفية في الصورة ، حيث توارت خلفيات المشهد بسبب الحل الاجرائي الذي انتهت اليه الصور في صيغة عرضها المقترنة بالخلفيات السوداء ، وبالتالي تم تهميش جزء مهم من  العلاقة بين مركز الصورة وفضاء الحدث المرصود.

 

غير ان طبيعة العرض كانت تتقصد ايجاد نمط مغاير للتلقي ، بالخروج عن رتابة التقليدي من المعارض ، فنحن امام صور مكبرة بأحجام تتيح التوغل في احاسيس الشهد ، والتفاعل مع مفرداته ، مع اصرار على تحويل اجزاء منها الى جزئيات مكبرة ضمن حدود الصورة الاصل حتى تسمح بالمزيد من الاقتراب من تفاصيل الاشياء ، وذلك في أفعال واعية يراد بها توجيه عين المتلقي في فضاء الفرجة.

 

 ثمة رغبة كانت حاضرة لايصال هذا المشهد الفوتوغرافي الساكن بالصورة المتحركة ، عبر اخراج سمعي بصري قصير مصاحب للمعرض لم يفلح في ايجاد منطقة تلاحم مع الصورة الساكنة التي كانت أكثر حياة في تمثلها الفني ، وهي المشحونة بدفقها العاطفي ، وكان بالامكان ادراج هذه المحاولة ضمن حالة تركيبية تستثمر فضاء العرض لايجاد صورة سيالة مكملة لمقاصد التجربة، وتأسيس رؤية بصرية تعاود التأكيد على جماليات التجاور والتداخل الفني.

 

ويبقى هذا الحنين للتماس مع الإنساني في تجربة هيلدا اسماعيل البصرية محرضا للتعاطي معها بفرح ، فرح يطال محاولتها لاستدراج الممارسة الفوتوغرافية الى علاقة اكثر حيوية مع الهامشي واليومي من قضايا الانسان ، واختبار انموذج الصورة العابرة التي تبدو مشحونة بصريا رغم افتراقها عن اعراف وشروط الصورة التقليدية معظم الاحيان.

 

 

 أثير السادة

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية