انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

حركة الإنترنت وَ اتجاهات النص

 

أثير السادة

 

ليست شبكة الإنترنت ملاذا آمنا للكتابة والنشر ، او للاتصال الافتراضي بأفكار وشخوص تتراءى وتتجاور في عوالمه الشاسعة ، بل هي أكثر من ذلك ، فهي ذلك الحضور الأخّاذ الذي يعيد رسم خارطة التفاعل الانساني ، ويؤسس لادراكات جديدة متساوقة ومثيولوجيا هذه الشبكة التي تمارس ابدالا للطرق التقليدية في التلقي والتفاعل والتفكير .

 

إنها الحياة التي تستحيل الى كولاج مفتوح على خصوبة الحرية التي تتطور بأدوات الشبكة ، وتبرز على اطرافها هوامش جديدة هي أشبه بالحياة الموازية  ، حياة لها تعريفاتها المباينة للزمان والمكان واقتراحاتها الخاصة للعلاقة بين الكائن والآلة.

 

نعرفها جميعا اليوم ، وقد نستطيع اجمالا وصفها ، لكنها غالبا لا تقبل المصالحة وهذا التبسيط الذي نمنحها اياه ، فالوقوف عند حد اغرائها لا يكفي للخروج بإشارات دقيقة لآلية اشتغالها وفعلها في بنية الثقافة الانسانية ما لم نمتلك القدرة على استكناه مواضع تفردها ، ومظاهر امتيازها في سياق التاريخ الذي يحدث فيها وبها.

 

هذه الوفرة من الازرار والاوامر التي تصوغ اتجاهات الحركة في الشبكة هي المفاتيح لتلك الميادين الفسيحة من المعرفة التي لا نعرف حقيقة تأثرها واتصالها بقوانين الشبكة ما لم نضاعف الجهد في اختبار تجانسها وشروط الفضاء الجديد وامكاناته الهائلة ، وهو الجهد الذي نجد له مثالا في اصدار "الانترنت بوصفها نصا" للمسرحي والشاعر البحريني خالد الرويعي.

 

يبحث الرويعي بجد عن حياة الانترنت واشيائها ، عن المفاهيم المتولدة من استخدام هذا التكوين المربوط بآخر ثورات المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا ، عن الاسئلة الاحدث حول انماط النشر والكتابة والقراءة التي افرزتها شروط الممارسة الثقافية الجديدة ضمن افتراضات الشبكة وتشابكاتها.

 

 

حصار الآلة

 

يذكرنا بداية بحصار الآلة للانسان والذي تعززه اليوم  تكنولوجيا المعلومات بحيث بات السلوك الانساني مدفوعا ناحية التطبع باطباع الآلة وشروطها ، فقوانين الاتصال المعلوماتي الحديثة هي ضابطة ومكيفة لحركة الزمن ، بل هي قادرة على انتاج زمنها الخاص الذي يغاير مفهوم الزمن الواقعي ، فالزمن داخل الشبكة بحسب الرويعي متفلت ، متحول ومتغير،  وَ "لا يمكن  حصره بمفاهيم ثابتة" ، زمن لا يطابق ماضيه او حاضره او مستقبله صورة ما يماثله في خارج الشبكة ، زمن مرتبط بحركة المعلومة وتداولها ، وسرعة الخوادم والسيرفرات والاجهزة ، وقبل ذلك بقوانين وجودها ضمن فضاء يبدو فيه الحاضر ماضيا لمستخدم الشبكة والماضي حاضرا لغيره على حد وصف الرويعي.

 

هذا الجدل بين زمن الواقع وزمن الشبكة يقابله جدل الحضور والغياب للمستخدمين ، او ما يصفه الرويعي بفصامية الكائن الواقع بين الزمنين ، والتي يراها شرطا  ضمن اشتراطات اللعب في هذه الشبكة ، مثيرا سؤالا حول هوية هذا الكائن في "الزمن الافتراضي" ، وهو السؤال الذي سيغدو كثيف الحضور ضمن تحديات أخرى تفرضها العلاقة بين الثقافة المنتجة لهذه التكنولوجيا والأخرى المستهلكة ، كما في نموذج اللغة المعتمدة في استخدامات الشبكة واصطلاحاتها.

 

يرصد الرويعي صورا من هذه المواجهة المبكرة بين لغة التكنولوجيا ومستخدمي اللغة العربية بوصفها ردود أفعال لما يحسب على تحديات الهوية ، كـ"تطويع  الرسم الحرفي للغة الانجليزية وجعله في متناول الشكل الحرفي للقراءة العربية" ،ومحاولات التعريب المتعثرة او غير المنتجة لبعض الاصطلاحات والمفردات المتصلة بالشبكة والتي تجهد لاثبات وجودها اللغوي دون ان يتحقق لها الكثير من ذلك ، لاعتبارات يحصرها الرويعي في غيابنا عن انتاج الثقافة الالكترونية.

 

هوية الشبكة

 

للشبكة هويتها ، كينونتها الخاصة ، وهذا ما يحمل الرويعي على اختبار عدد من المواقع الالكترونية على الشبكة بحثا عن المائز بين النص المنتج الكترونيا ومثيله من النصوص الأخرى المكتوبة على الورق ، فالتكنولوجيا بنحو او بآخر تضفي عبر اقتراحاتها ابعادا جديدة لهذا النص ، وتبعث على ولادة تصورات جديدة لانماط تلقيه.

 

لا علاقة بين النشر  الالكتروني وهيئة الكتاب..هكذا يقرر الرويعي وهو يدقق في "عقلية الكتاب" التي تطوق آفاق العمل في كثير من المواقع الالكترونية على الشبكة .. كثيرة هي المواقع التي مازالت اسيرة لاشكال النشر التقليدية ومعطياتها الامر الذي يعطل فيها القدرة على الافادة من امكانيات النص الالكتروني الذي هو في طبيعته بحسب الرويعي "مجزأ ومتعدد الوسائط ولا ينتهي أبدا" على خلاف النص الورقي الذي يبدو في صورته الناجزة ، اضافة الى كون الاول يتيح مزيجا من اشكال العرض البصري والسمعي والكتابي.

 

من هذا المستوى يقرأ الرويعي المواقع الالكترونية بوصفها نصا له امتيازاته الفنية ، فيمضي لمقاربة موقع الفنان النمساوي جوستاف كلميت من جهة التصميم وتوظيف اللوحات والالوان مكتشفا دقة التعامل مع تفاصيل اللون والاحجام وتوزيع المفردات في سياق بناء الصفحات التي تتعاقب وفق رؤية تصميمة واضحة تتقصد التوكيد على التأثيرات الالكترونية في صياغة المادة المعروضة.

 

في المقابل نطالع "جهة الشعر" ، النموذج العربي لاشكال المواقع الادبية البارزة ، فيه يحاول الشاعر البحريني قاسم حداد استثمار ذخيرته الادبية لتدشين تجربة الكترونية ناضجة ، ينتخب فيها بكثير من البراعة عددا من الجمل كثيفة الدلالة كتبويبات لهذا الموقع ، ليربطها بموضوعات الموقع وارتباطاته المتشعبة ، من قبيل : "دس بنعلك" ، وَ "علاج المسافة" ، وَ " خذ الكتاب بقوة" ، في حين سقط الشكل الفني في مفارقات لونية على ما يروي الرويعي ، وبدت فيه توظيف اللوحات الفنية ضعيفا في بعض المواضع ، وغير ذي اتصال بالعناوين المقترحة في مواضع أخرى ، دون ان ينسى الاشارة الى وجود تحديث مستمر ومعالجة لهذه الاشكالات الفنية تندرج ضمن خصوصيات النشر الالكتروني.

 

شهادات المبدعين

 

شهادات متفرقة لمبدعين عرب يجمعها الرويعي في ختام اصداره ، يطاولون فيها احلامهم الالكترونية ، ويعرضون لهواجس النشر الجديدة والتي يبدؤها الشاعر قاسم حداد بالتركيز على فعل المبالغة الذي يسكن لغة المنشغلين العرب بهذا الموضوع حين توصيفهم لعلاقة الانسان بالآلة واصرارهم على فرادة الكتابة الورقية وهو ما يوافقه عليه الروائي نهاد سيريس والقاص جمال الخياط في شهادتهما ، بينما يقف الروائي ابراهيم نصر الله على الطرف الآخر  وهو ينذر بتحول "الانسان تدريجيا الى آلة امام الآلة" في اشارته الى النهاية المرتقبة للتواصل عبر الانترنت رغم اقراره بالفتوحات العظيمة لهذا الفضاء المعرفي الجديد ، ويماثله المسرحي عبدالله السعدوي الذي يعلن حتمية المواجهة مع الآلة والتقنية ، وهو يستقرئ الابدال في المواقع بين الانسان والآلة ، مشككا في قيمة هذا الاتصال والتفاعل الذي تبشر به الانترنت ، فالانسان برأيه اصبح كائنا اتصاليا "لكن لا يعني بالضرورة انه كائن تواصلي".

 

لا فكاك من الاعتراف بأن الانترنت اسست لظواهر كتابية وقرائية ، وممارسات ثقافية جديدة مازال الكثير منها خارج دوائر الرصد والنقد عربيا ، ومازالت الممارسة الالكترونية العربية تحتاج الكثير لتحقق جدارتها في تمثل روح النص الالكتروني الجديد الذي يتمدد بلا ضوابط في فضاء مفتوح باتساع الأفق.

 
* قراءة منشورة في مجلة دارين الفصلية - العدد 16 - النادي الادبي بالدمام

 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 31 يوليو, 2007 03:58 ص , من قبل ســـــــــــديم
من المملكة العربية السعودية

كتاباتك نابعه من انسان مبدع

شكرا لك وتحياتي لقلمك النابض




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية