انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

الصورة الفوتوغرافية كناظم لمعنى الواحة في أحساء العجائب

 

 

 

 

ما بين ٧٧ موقع طبيعي تمضي الإحساء بثبات حتى اللحظة في طريق الترقي على سلم العجائب الطبيعية الذي أصبح تقليداً معتمداً لإعادة استجلاء الاستثنائي والعجائبي من معطيات الطبيعة كبديل للمعالم الأثرية المعمارية ,التي  جرت العادة على حصرها ضمن دائرة العجائب السبعة وهي من صنيعة الإنسان: الهرم الأكبر, حدائق بابل المعلقة، تمثال زوس، هيكل ارتميس،ضريح موسولوس، أبولو رودس وَ منارة الإسكندرية.
 
 الإحساء وهي تتغزل حملة عجائب الدنيا السبعة الجديدة كانت بحاجة إلى دعامات بصرية تحيل الرائي إلى فعل التاريخ والطبيعة في هذا المكان وتؤسس للقناعة بفرادته  وهو يجهد لمزاحمة تلك الاعجوبات المفعمة بحضورها الأسطوري ، القديمة منها والحديثة، في سباق تحركه ديمقراطية التصويت المفتوح بحسب توصيف المنظمين، ليكون صورة عن قناعات الجمهور وتشوفاتهم بالدرجة الأولى.
 
 لا وجاهة للمقارنة بين الإحساء بكل ما فيها من تفاصيل وبين الكثير  من المناظر الطبيعية التي يجري إدراجها في قائمة التسابق، حتى الذين يحتفلون بها في شاعرية مفرطة يدركون صعوبة المصالحة بين المكان والصورة المتخيلة التي يروجون لها، غير أنها كمسابقة تحتمل هذا التأرجح على جغرافيا تصنعها ضغطات المشاركين على أزرار الخيارات كشرط صريح للترقي على هذا السلم باعتباره ابتكار الناس وامتداداً لتصوراتهم.
 
 بهذا النمط من الاصطفاء سيجرى انتخاب صورة الواحة لتكون مسوغاً  لولوج الإحساء في هذا السباق، لإثبات أهليتها في الظهور على خارطة العجيب والاستثنائي من الأمكنة، وعليه سيجري ترميم معنى الواحة الذي بدا استدراكاً لصورة الأطلال أو ما يشبهها من صور التلاشي والغيابـ، حتى لكأن الحماسة لهذا المعني تبحث في الأثر الرجعي للحكم المفترض تجاه صورة لا تخرج عن سياق محاولة تخليق  واقع يسكن في الماضي أكثر من الحاضر، أو استعادة لتنويعات الحنين  للبيت القديم،حيث تفتقد الواحة اليوم عنفوانها الأول بمثل ما فقدت ذاكرة العيون التي نضبت وأصبحت حدثاً يروى في مدونات التاريخ.
 

 لم تكن الصورة لتتأخر عن دورها الوسائطي في تحويل المكان إلى أثر جمالي، عبر عيون فوتوغرافيي الإحساء الذين باتت مهمتهم إيجاد صياغات بصرية قادرة على التماهي و الصورة المقترحة للمكان والإحالة على سماته الجمالية المحتملة، بالإفادة من تقنيات التصوير التي ليس من سبيل لإنكار فعلها في هندسة الأحاسيس والتحكم في مدلولات الصورة، كانت الصورة بالتحديد الطريق الأكثر مادية للوصول إلى الإحساء المتخيلة فهي تختزل بين أضلاع إطارها المربع شريطاً طويلاً من حكايا المدينة وتحولاتها، في لحظة تحتفي فيها العين بما تحب من مشاهد المكان لتجعله في دائرة الحضور الدائم.

   صور الفنان عبدالعزيز البقشي تبدو أكثر تلك الصور صراحة في التبشير بهذه العلاقة التي تدفع ناحية تخطي الواقع إلى الحلم كلما حملت ومضات الكاميرا في ظلالها مقتضيات الرهان في هذا السباق، فهي تجهد لتلمس  احتمالات المكان الجمالية التي ستتكئ في وجودها غالبا على حساسيته الفنية وقدرته على التوغل في أبعاد المنظر الطبيعي وتأسيسه جمالياً ودلالياً، فبناء الصورة المتأني عند البقشي يمثل إسهاما فوتوغرافيا في تصعيد الإحساس بجماليات المكانــ   وجعله مادة قابلة للإدراك والمعايشة.

 في الصورة المرفقة ببطاقة الإحساء في موقع المسابقة الرسمي يختار البقشي تقديم الواحة في لقطة  يلتقي فيها الأفق الوسيع بأعمدة جبل قارة الممتدة إلى طرف القرية في مقدمة الصورة وغابات النخيل  الكثيفة في الطرف الآخر مفيداً في ذلك من إمكانات عدسة عين السمكة التي تقترب من عين الإنسان في مجال إبصارها، هي لقطة تحمل في داخلها هاجس استيعاب الطبيعة في تشكيلها الفريد وامتدادها التاريخي، تحاول أن تمارس فعل التحفيز  لاستقصاء إشارات التاريخ في جغرافيا لم تستنزف كل أسرارها بعد, لتغدو الصورة أشد الأشياء  تماهياً والشكل المقترح لصورة المكان في سياق المسابقة.

 

 وتمثل صورته الفائزة بجائزة المركز الثاني في المهرجان العربي الأوربي في ألمانيا 2006 تأويلاً لتجليات الأخضر والأزرق في فضاء المدينة، ومزيجا من بهجة الألوان التي لا ينبغي إغفال دلالة الماء المتدفق من النبع والرغبة في استثماره للتعبير عن سريان الحياة في هذه الواحة الموعودة، وهنا يستمر البقشي في التأكيد على الشموخ والارتفاع كمائز لمفردات هذا المكان،باستحضار الطول الفارع للنخيل وتعزيزه عبر منظوره الفني المقترح، ما يمثل في سياق المشهد واحداً من معطياته الجمالية، وعنصراً معمقاً لدلالته الفنية.

 

 
وعلى نفس النول يمكن مقاربة صورته الأخرى لجبل قارة من الداخل حيث يتسلل عمود الضوء من ارتفاع ممتد إلى خارج إطار الصورة، فلا نعثر على علامة تشير إلى بلوغنا نهايته، غير إننا بدلاً من ذلك نجد في حضور الفتاتين ما يكفي لإنهاض الإحساس بهذا الارتفاع الشاهق ، فحضورهما المتناهي في الصغر داخل المشهد جاء ليشد الانتباه لذلك الارتفاع، بالتضافر مع الضوء الذي سيهب الجبل تعرجاته الجميلة وتضاريسه الباهرة.
 
 هكذا يروي لنا  البقشي بعدسته حكاياه الأثيرة  عن مسقط رأسه، عن المكان الذي لا يحتاج إلى ذريعة ليتجمل في عيون أهله، فتلك سيرة المكان الأول كما تجسده رغبات الناس وأحلامهم، حيث لا فكاك عن النظر برومانسية إلى المكون الأهم في ذاكرة الناس، إلى خواطر الطفولة وتداعيات النضج في تجسدها ضمن هذا الفضاء، هي العلاقة الخاصة التي تستبق الاحسائيين في توليد خيالات حالمة لهذه الواحة وتجعلهم يطوون دفاتر الأسئلة في عدوهم المشترك من اجل تعميد مدينتهم في نادي العجائب، مستعينين بالصورة لتكون اللغة المشتركة بينهم وبين العالم الذي قد يجهل موقعها على خارطة اليوم ، لكنه حتماً يتذكرها بوصفها الحاضن  للحقل الأكثر خصوبة نفطياً، وأنها واحة من ذهب اسود أيضا.
 
 والمحصلة أن هذا المكان إذا ما تموضع يوماً على رأس عجائب الدنيا  فلن يكون ذلك طرفة تاريخية حتماً بل سيكون الدليل على اتساع شهوة اللعب على هامش ديمقراطية الأزرار الالكترونية ؛لتغدو الصورة المتخيلة هي الأصل البديل الذي لا يقبل الإنكار بفضل وساطة الصورة البصرية التي تناضل من اجل تجسيد هذا المتخيل وجعله أكثر محسوسية ، فالواقع بذلك لا يمتلك من حقيقته الفعلية إلا بمقدار اتصاله بهذه الصياغات البصرية، وعلينا ربما واجب البحث عن هذا الواقع غالبا في حدود المهمش والمحذوف في مشهد البحث عن سيرة الخلود في سباق العجائب.
 
أثير السادة

  *ينشر بالتزامن مع مجلة الاعلام والاتصال - العدد 125 - غرة ذوالقعدة 1429هـ

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية