انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

السؤال السياسي في التجربة المسرحية السعودية

 

محاولة اولى للفهم

 

(1)

 

كثيرا ما يراودني السؤال عن اسباب تردد النص المحلي في مطاولة القضايا الاكثر راهنية في الساحة المحلية ، على ما فيها من قابلية على التصعيد دراميا ، وعلى ما في هكذا نصوص من قدرة على التأثير في سياق المواقف والافكار ، وانصراف الكتاب الى الانشغال بما يوصف بالقضايا المركزية ، وفي مقدمتها الاحتلال والتغريب والمؤامرة.

 

يخيم الكتاب المسرحيون غالبا في حيز الهم الاجتماعي ، واذا ما غادروه قليلا في لحظة صحو فكري تسربلوا بعتمة اللفظ وتدثروا بالرمز ، حتى لا ترى من افكارهم الا تأويلاتك التي تعتصر النص لتخرج الملح منه ، وربما استفرغوا وجدانهم ليكتبوا من مائها نصا لفلسطين او العراق، او لربما سار بهم الركب الى التاريخ تورية وتعمية اخرى.

 

(2)

 

لا يستطيع الانسان منا ان يبقي نفسه بمنأى عن ما يجري حوله في هذا العالم ، فتلك الصور المتدفقة عبر وسائل الاعلام تجعلنا نشعر بأنا على خط تماس مع كل الاحداث التي نطالعها ، فنتفاعل وننفعل ، ونبدأ في تأسيس موقف منها.

 

هذا الفيضان الاعلامي الذي يلاحقنا يجعل من العالم مشهدا عريضا للفرجة الملونة بألون الاحداث ..من الرياضة الى السياسة مرورا بالفن وحتى الاقتصاد.

 

تعترضك على الدوام نشرة الاخبار ، فكأنها صندوق الدنيا ، حيث آخر اخبار الود والخصام بين ابناء الكرة الارضية وما بينها من صفحات دماء تسيل او هناك باعتبارها جزء من مسلسل تعارض المصالح ، وتباين النوايا بين الناس والامم ، تتبعها اخبار الكرة ، فاحوال الطقس التي يختتم بها عادة الفصل الاخباري.

 

(3)

 

نحن واقعون اذن  تحت تأثير تلك الصور التي تدعي نقلها للواقع ، وتصويرها للحقائق ، فيما هي صناعة تتضمن فبركة ومعالجة لهذا المشهد الذي سيستحيل في حال التلقي الى حقائق معاد تصنيعها ، يتم ادراكها وفق الصيغ المقترحة في هذا النسق الاعلامي او ذاك.

 

يعاد توزيع اهتماماتنا وتدوير اسئلتنا الخاصة بازرار القنوات التلفزيونية ، ثمة زحزحة لمركز الاحداث ، وازاحة مستمرة باتجاه نظرة هذه القناة او تلك الى الحدث المنقول، فيما المتلقي الذي يحترق بلهيب الصورة ويبتهج بها على السواء يمارس اختيار موقعه من هذا الطقس الاتصالي الذي يحمله على تكييف انفعالاته عبر المقايسات المستمرة التي يجريها على مشهده الخاص ومشهد العالم من حوله ، مكتشفا تلك النسبية المختبئة في حدود الألم عنده ، حيث يبدو معه انه اسعد حظا بالطبع من جاره العراقي الذي لا يأمن على حياته من السيارات المفخخة واخطاء الاحتلال وقسوة العيش.

 

(4)

 

لعل هذا ما يصرف المسرحيين السعوديين عن كتابة آلامهم والاقتراب من تداعيات المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي في حدودها المحلية ، فهم لا يطالعون همهم في المرآة الاعلامية بمقدار ما يطالعون اليوم من سيرة الدم العراقي الذي يباع بأرخص الاثمان هناك.

 

قضايانا الاهم محليا تبدو فاصلا اعلانيا لمشهد كوني لا يكف عن اشباعنا بالوان الانفعالات التي تجعل الواحد منا مأخذوا بلحظة ضحك مشدودة الى أخرى حزينة ضمن شريط من الصور لا يتوقف.

 

أولعله الخوف الذي يصرفهم عن انماء حسهم النقدي تجاه مختلف الظواهر، الخوف من الرقيب ان يحجب عنهم النور ، والخوف من مساءلة السلطة على اختلاف الوانها، ومن هروب المؤسسات الثقافية عن التواصل مع انتاجهم ، ووو...

 

ربما...

 

(1) تعليقات

لذة بإتساع الرصيف!

 

 

كل شيء من ذكريات هذا الشارع قد عبر مع حبيبات الإسفلت الى الأرشيف ، حيث أسلمت الذاكرة أمرها الى تواقيع الحفارات، وما تبقى من البنيان المتآكل في ضياع المدينة.

 

بإنقطاع المد والجز عن هذه الارصفة إنحسر وجه المكان، وتبدد عبق العائدين بحلم القواقع مع آخر النوارس التي حملها الغيم باتجاه أزرق مستحيل، لم يعد للناس أرصفة تحمل أنفاسهم ، ضحكاتهم، حتى الرصيف تلاشى في التصاق المباني، وانكماش الدروب التي يسري بها الضوء الى كل النوافذ.

 

باب هذا المقهى القديم وحده ظل مفتوحاً يلوح للعابرين بخيوط الذكريات، يطرز في ابتهاج النهار قميصًا لهذا الرصيف الذي عليه غبار الوطن، وبقايا الحنين لحكايا النخيل.

 

الجالسون به يحتسون طعم المحطات الطويلة التي جمعت الى صفحات أعمارهم مرارة القهوة وحلاوة الشاي، حتى ذابت الفناجين في الوعود الذابلة التي مرت من أمامهم، دون أن يدخلوا في بناء القصيد، وهمس النشيد الذي علمته المدارس ابناءهم.

 

الذين تواعدوا لاقتسام الرصيف ، تركوا غيمة من الهم والحزن للذين شاخت بهم مرايا الطريق، فكانوا رماداً لاحتراق النخيل، وعقداً من الورد تأخر طويلاً عن عناق الندى.

 

كانوا هناك...

 

 

أثير السادة

 

(2) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية