تتمتع عروض المسرح على اختلاف أغراضها وتعدد أشكالها بعناصر جذب للمصورين الذين سيجدون فيها أشياء تجاوز مجرد متعة الفرجة التي يشاطرهم فيها الآخرون، لتوصلهم بلحظات ابداعية ملهمة هي بمثابة المختبر الحي للتصوير ، حيث المعمار المسرحي والإداء الجسدي والمؤثرات البصرية وباقي المفردات المسرحية التي تمثل الفارق الجمالي لهذه الصناعة الفنية. وتمثل العروض النوعية أو ما يصطلح عليه عموماً بالعروض التجريبية او الطليعية الوجه الأكثر إغراءاً في هذا المجال لانشغالها الدائم باكتشاف مساحات جديدة للعلاقة ما بين تلك العناصر ، ومحاولة تطوير أشكال حضورها الفني ، ضمن تصورات جمالية تُنشّط الإحساس بخصوبة المسرح وعلاقته الجدلية بالواقع والحياة. وكانت الاضاءة دائماً واحدة من العناصر المتحولة في الصناعة المسرحية، وأكثرها تجسيداً لهذا الهاجس الجمالي الذي ارتبط بتطور مفهوم السينوغرفيا ، والمتصل بالبعد التشكيلي في البناء المشهدي، فهي السبيل لاكتشاف حرارة الألوان، روح الظلال، حياة الأشياء، وبلاغة التشكيل، وهي تملك بث كودات نفسية، اجتماعية، زمانية ومكانية في نسيج العرض، فاللعب بالاضاءة هو لعب بالاحساس بكل تلك الاشياء التي تستعير من انعاكسات الضوء دلالتها. لذلك ستتبدل وظيفة الاضاءة وتتعدد مصادرها وألوانها بحسب الرؤية الاخراجية التي يعمد المخرج/السينوغرافي الى تنفيذها بالتعاون مع مصمم الاضاءة، وستتجاوز الاضاءة وظيفتها النفعية اليومية الى وظيفة درامية جديدة متصلة بسياق الاحداث وطبيعة الصراع بين شخوص العرض، ومن هنا قد يصبح السؤال الجمالي في صناعة الضوء عند المسرحي مختلفاً عن قرينه الفوتوغرافي الذي يتعين عليه دائماً الاقتراب من العمل المسرحي من داخله، ليقتنص من لحظاته ومشاهده ما يحفظ للصورة قيمتها التوثيقية ، ويهبه صوراً فائضة بالجمال على حد سواء. سيبدو التصوير المسرحي وفقاً لذلك عملية متأنية يتابع فيها المصور تحولات اللحظة المسرحية بكل ما فيها من زخم درامي، ويراقب فيها تلك العلاقة التراكبية بين عناصر العمل ، ما يجعل الفرجة في ذاتها فرجة مضاعفة ، من أجل الخلوص الى تكوينات بصرية من منظور فوتوغرافي، أي انها تنتمي في شرط وجودها الى خبرة المتلقي/المصور عوضاً عن المسرحي/المخرج، وهذا مايمنحنا في بعض الأحيان صوراً ضوئية لم تكن في حسبان مخرج العمل ولا في مجال ادراك المتلقي المتابع للعرض في لحظات جريانه. ولعل محاولة نقل الفعل الحي من آنيته الى حالة الصورة الفوتوغرافية الساكنة التي تفترض حالة ماضوية يضع المصور أمام اشكال جوهري يتعلق بقوة الصورة وقدرتها على التمثيل، ويفتح الشكوك تجاه القيمة التوثيقية للصورة بما هي منتوج لعملية مركبة من الابصار والادراك والتذوق، وبالتالي يثير الاسئلة حول وظيفة الصورة المسرحية وقيمتها الفنية، فما يجري هنا هو محاولة للتأسيس على قواعد الصورة وجمالياتها في مقابل جماليات المسرح وطقوسه، التي وان تواشجت مع معطيات التشكيل إلا انها تبقى أكثر ارتباطاً برهافة جسد الممثل الذي يحدد طبيعة استجاباته وفق ايقاع اللحظة المسرحية. يبقى هذا التشابك بين الحركة والضوء في المشهد المسرحي سبباً لامتداد الحياة في الصورة المسرحية التي ستستعيض عن صمت الصورة ببلاغة الفعل وبلاغة اللون معاً،والرهان هنا هو في قدرة الكاميرا على الحفاظ على التفاصيل الضرورية لهذا المشهد، وملاحظة شروط التمرئي التي تصوغ حقائق العمل المسرحي، وتدفقه بالحياة، من خلال مساحة زمنية ومكانية مقدرة بكل ما فيها من مفردات وتحركات وانفعالات. في هذه المساحة يمكن لعدسة الكاميرا ان تقبض على دراما الاشياء والوجوه، أن تتعقبها في لحظات التوتر الدرامي وتصاعد وتيرة الصراع بين المؤدين، أن تتذوق المشهد في انبساطه وانقباضه، فثمة طاقة تعبيرية ثاوية في سياق الأحداث التي قد يلزم المصور التعرف على بعض تفاصيلها قبل المشاهدة عبر أفراد العمل ليتخير موقعه من مكان العرض، ويتهئ لمهمة التصوير بما يلزم من العدسات والإعدادات الخاصة، في وقت لا يحتمل فيه العرض التوقف او التكرار!. * ينشر بالتزامن مع مجلة الزاوية- العدد الخامس - مايو 2008 
الثلاثاء, 29 ابريل, 2008
<<الصفحة الرئيسية








