حينما تم الإعلان عن تأسيس جمعية للمسرحيين السعوديين كانت الأصوات المستبشرة بهذه الولادة ترى في هذه الاجراء التنظيمي خطوة باتجاه تحقيق الاستقلالية، أي الاستقلال الإداري والمالي للنشاط المسرحي في السعودية، بمعنى أن يتوفر للمسرح جهاز خاص، يديره أهله وناسه، بدلاً من أشكال التنظيم الثقافي الحالية التي تجمع كل الفنون والآداب إلى عباءة المسئول في الجهاز أو المؤسسة الثقافية الرسمية، سواء كان النادي الادبي، أو جمعية الثقافة. لم يتبين بعد ما حقيقة هذه الاستقلالية وما قيمتها، غير أن اللافت في هذا الحدث هو الإشارة المتكررة إلى هذه المسألة من قبل المسرحيين أنفسهم في ما نشر وينشر من تعليقات، ضمن عنوانين بارزين تم التأكيد عليهما: الشرعية والاستقلالية، فالمسرحيون كما يوردون قد وجدوا في إقرار الجمعية اعترافاً بشرعية وجودهم بعد أن كانوا شتاتاً بين هذه المؤسسة وتلك...وهكذا تحول الوصف المرصود للجمعية كجهة غير نفعية ومستقلة الموارد في اللائحة التنظيمية، إلى عنوان لآمال وتطلعات هؤلاء المسرحيين للعمل المسرحي برمته وليس عمل الجمعية فقط. ثمة شاغل جماعي اذن يتعلق بشأن العلاقة بين المسرح والأجهزة الرسمية يمكن أن نلمس بعض تجلياته في هذا المشهد، هاجس كان يطل برأسه في غير مناسبة، ويدفع المسرحيين للامتعاض من بيروقراطية الجهاز الرسمي، ومسؤوليته في تذبذب الحركة المسرحية، بل في مراوحتها في مساحات ضيقة، بسبب ضيق اليد وضيق الأفق الذي تدار به العملية المسرحية برمتها. كانت جمعية الثقافة والفنون بفروعها المتوزعة على خارطة الوطن، وعلى إختلاف أمزجة المسئولين فيها، تمارس دور تثبيت الأمر الواقع، الذي يجعل من المسرح محشوراً في زاوية المناسبات ومبرمجاً وفق رزنامة المهرجانات الداخلية والخارجية، حتى النوافذ الصغيرة التي أطلت منها تجمعات مسرحية موسمية جادة تسربت إليها أعراف وتقاليد هذه المؤسسة العتيدة، فأصبحت شواهد على قدرة المؤسسة على تذويب المبادرات وصياغتها وفق آلية الإنتاج التقليدية بدلاً من أن تكون الدليل على أن ستائر المسرح القديمة قابلة للطيء!. الإرتباط بجمعية المسرحيين اليوم لا يمثل بالضرورة انقطاعاً عن إشكاليات المؤسسات السابقة، فالمشكلة لا تنحصر في الوجوه والمباني والعناوين، فثمة نسق مؤسساتي مهيمن يتحكم في بنية العمل الثقافي، فقد تغادر المؤسسة وتبقى اعرافها. لا ينبغي أن يكون هذا القفز بالعناوين من خانة إلى أخرى سبباً للتواطؤ على تغييب البعد الجوهري لسؤال الاستقلالية الذي لم نصغِ اليه كما ينبغي، أو على أقل تقدير لم نتمثله في حواراتنا وتصوراتنا لحال المسرح في مرحلته المقبلة. هذا الإلحاح في مطاولة عنوان الاستقلالية يحرضه القلق على روح المسرح من الإرادات القاهرة لفكرة الإبداع في هذا المجال، أو المتحيزة للحساسية الرسمية في صناعة الثقافة، وكل ما يمكن أن يمثل وصاية على حياة المسرح خارج الاشتراطات الفنية والاعتبارات الجمالية، وكل ما يتهدد شكل علاقته بالناس وقضايا الشارع اليومية، واحتياجاته الجمالية..هي محاولة لتجاوز أفق العمل الموشوم بمبالغات الخوف، وتلاوين الشروح الهامشية التي تجعل من المسرح رديفاً للتحريض أو عنواناً للدعة!. لكن موضوع الاستقلالية كما أراه ليس له وجهة واحدة، فلا يمكن حصره بين هلالي الرغبة في الخلاص من بيروقراطية الاجهزة الرسمية، وضواغط الموازنات السنوية، هذه مسائل إجرائية قد لا تبدل الكثير في معادلة الانتاج الفني، وأن بدت لهجة المسرحيين أكثر اعتناء بها. ثمة قلق جمالي يختزل الجزء المشطور من سؤال الاستقلالية، وينفتح على كل تداعيات الوجود المسرحي في هذا العالم، قلق يوقظه الخوف على صورة المسرح، على قدرته في أن يكون ما يريد أن يكونه، أن يختار وجهته الجمالية والفكرية، وان يتمثل سيرة الفن في اتساعها الإنساني. أن يكون المسرح مستقلاً، يعني أن يكون حراً، يملك خياراته الخاصة، خطابه الخاص، جمهوره الخاص، يملك حرية المضي بعكس إملاءات السوق، وخارج التأطيرات التي تفرضها مشارط السلطة بوجوهها المتعددة، السياسي والديني والاجتماعي، ليختبر استحقاقاته تبعاً لهذا الهامش الذي يتأسس بإرادة الباحثين عن قيمة الفن بما هو محاولة للقبض على الجمال في هذا العالم، لا بتشوفات المتعطلين على حافة الإنتظار، ممن رسموا مسرحهم في الهواء، وركضوا باتجاه كهنوت السوق ليصنعوا لهم مالك من ورق. حياة المسرح تتأتى من هذا الأفق المفتوح الذي يصيره المبدع مضماراً للخيال، وفسحة للخلق الابداعي، في لحظة تماسه بذلك الجوهري والانساني من الصور والتعبيرات والمواقف التي يصار إلى إختبار تمثلاتها المسرحية والتي لا تفترض مجرد المحاكاة، بل تشدد على قدرتها في كسر صرامة الواقع، وإعادة انتاج الحقيقة وفق الاشتراطات الجمالية. وفق هذا التصور يمكن مقاربة الكثير من التجارب المتجاوزة لتقاليد المؤسسة المسرحية في العالم، بإعتبارها وعياً مضاداً لمعيارية هذه المؤسسات، حيث انفتحت نافذة المسرح على حساسيات فنية جديدة خلال القرن الفائت كان الجامع بينها التبرم من نمطية العمل المسرحي، والمؤطرات الصارمة لهذه الممارسة، فيما ترمي بالدرجة الأولى إلى الإستقلال عن سلطة هذا الخطاب المؤسساتي بإعادة اختبار الكثير من المفاهيم المسرحية واكتشاف جماليات المسرح البديل. هذه سمة المسرح الذي لا يخشى مواجهة "المقاعد الخالية" على حد وصف بيتر بروك، فهو لا يرتهن في وجوده إلى شبابيك التذاكر، ولا يراهن على اكتمال صفوف الجمهور، بل على انفتاحه على تجليات السؤال الجمالي في هذا المختبر الإنساني الواسع، في الوقت الذي يدفع فيه المسرح إلى السوق بوصفه سلعة يراد لها التموضع فوق منحى العرض والطلب، لتمتزج لغة المال بلغة المسرح، وتصبح الموازنات مرة أخرى ضاغطا على اتجاهات العمل المسرحي، وتصبح الممارسة برمتها تحت وصاية المال!. الذين خرجوا من دكاكين الثقافة الرسمية، والغرف المستأجرة لثقافة لا يسعها المكان، وجدوا أنفسهم سلعة في سوق تجار الفن الذين باتوا يصنعون مزاجنا الفني، ويصوغون فضاءً مسرحياً مشروطاً بتمطلبات قوى السوق، الأمر الذي يفسر هذا التوالد العجيب لفرق ومجموعات مسرحية لا تعبأ بالمسرح كفعل واع وحر بقدر انشغالها بالوصول إلى امتيازات المال في هذا المشهد المتنامي. فوق أرفف ملاك الملاهي والمجمعات التجارية، تجتمع اليوم أحلام النفر الهارب من الإحساس المفرط بالضيق داخل مؤسسات الفن والثقافة، تجهد لإيجاد مساحة أوسع لتحقيق حضورها الفني، والتخفف من شواغل التمويل، غير أن هذا النضال الموصوف ينتهي غالباً إلى حالة من حالات التناقض التي تجعل من الإبداع صيغة معادة الإنتاج لصالح السوق، وليس العكس. المؤسسة خانقة، والسوق لا تولد إلا صوراً مسرحية زائفة، هذا ما كانت ترويه لنا التجارب الطليعية، ونزعات التجريب، وهذا ما بشرت به الأصوات المسرحية التي روجت لأفكار المسرح المستقل، والمسرح الحر، والمسرح البديل في العالم، وهذا ما أشار إليه المسرحيون السعوديون بسبباتهم فقط دون البوح به على وجه الدقة، لأن الاحتراز في ذاته هو الحد الفاصل بين الاتصال والانفصال عن هذا النسق المؤسساتي المهيمن على مناخ المسرح محلياً. *ينشر بالتزامن مع مجلة الاعلام والاتصال - العدد 120 - غرة جمادى الآخرة 1429هـ.
هناك في هذا الوطن الممتد من هو مشغول بترسيم خطوط طول وعرض للساحة الثقافية، فكل ملاحة فوق هذه الرقعة ينبغي أن تكون صوب القبلة، والقبلة هي بكسر القاف لا بضمها، لأن في ضمها دعوة للانحلال والخروج عن جادة الصواب، وليست القبلة في عرف المتشددين وصفاً لاتجاه الصلاة، بل لاتجاه الحياة كما ترسمه أحلام الساكنين على ضفاف التاريخ، والماسكين بطرف الأشياء خشية السقوط مع هبوب أي ريح. أولئك الذين اطالوا وقصروا، وجمعوا وبعثروا أحلام الوطن تحت يافطة الصحوة لا يعيشون اليوم إلا قلق الخروج عن نصهم المكتوب في خرائب الهزيمة، قلق يحرضه احتراق اوراقهم الصفراء في اتساع الحقيقة، وزحام المسافرين بإتجاه الشوارع التي تضيؤها قناديل السؤال المغموس بالحرية. تجدهم يحصون للناس انفاسهم، ضحكاتهم، خف قلوبهم حتى لا يتعرى ذلك الحلم الذابل بارتفاع الشمس في الأفق. إختاروا أن يروا الأشياء بعين نص مفتوحة، وعقل نصف مغلق، يبصرون ولا يبصرون، يقرأون ولا يقرأون، يختصرون مواقفهم تجاه كل جديد بزفير طويل، وسبابة عجلى تطفئ كل شعلة تلامس الحنين للحرية، لطفولة الأشياء، للأمنيات الهاربات من دفاتر الرقيب، ولأن الثقافة أثنى ينبغي لها أن تكون ملفوفة بسواتر، محشورة بين الأسود والأسود، حتى لا يفضحها ويفضحنا الخيط الأبيض من الفجر. خروج الثقافة عن عباءاتهم في حد ذاته تبرج، لذلك ترتجف قلوبهم أذا ما سمعوا همس المموسيقى، أو عاينوا ظلال الصورة السينمائية وهي تتغنج على أرصفة المدينة، تبحث عن موئل بعد طول إنتظار، عن خندق تتحصن به في استراحة الدقائق الهاربات، يريدون لها أن تعود إلى بيت الطاعة، إلى كهولتها المبكرة، حنى لا تؤول احلامهم بلا وطن. من هنا يبدو الممر المؤدي إلى ثقافة السينما ضيقاً جداً في هذا الوطن، فالتجارب التي شاركت في مسابقة أفلام سعودية ما كانت تفطع مسافة جمالية في عدوها في هذا الاتجاه بقدر ما كانت تختبر قدرتها على العبور، بل على الوقوف في وطن بلا سينما. سيحتضنهم التاريخ بقوة لأجل ذلك فقط، لأجل أنهم لوحوا للناس بأفلاهم قبل أن تحملهم اصوات المتشددين على الغياب، لأجل أنهم صرحوا بأنهم كباقي البشر يحبون الصورة في تلونها ودورانها، في صدقها ونميمتها، في تسكعها على أرصفة القضايا والهموم اليومية. المتشددون من فرط خصومتهم مع السينما يحبسون أنفاسهم ساعة يقرأون خبراً عن إقامة عرض سينمائي، يمسكون قناني الحبر ليكتبوا احتجاجاً، تهديداً، أو يرسموا شارعاً يوصلهم إلى مكتب المسؤول خشية أن تشنقهم الصورة، او تصيبهم الموسيقى بشظاياها. وجدتهم بالأمس يتـأرجحون في قاعة العرض بجمعية الثقافة والدمام كلما أطل وجه الموسيقى، وما أكثر الموسيقى وأقل الصورة في تلك العروض، تتصلب سيقانهم وهم يغدون ويروحون بحثاً عن مسؤول يتدحرجون معه على سلم الإيقاع. كل هذا الضجر من بدعة السينما يحال اليوم إلى مشاغبات الموسيقى، الذريعة الأكثر رخصاً، هذا ما حدثتنا به الصحافة في أخبارها بالأمس، وهي تروي قصة إلغاء فيلم "مطر" لعبدالله العياف بعد أن كان مقرراً عرضه في النادي الأدبي بالأحساء، حادثة تحكي عن ذلك الخوف الذي لا ينام، خوف من الصورة السينمائية وخوف من المعارضين لها، ثمة خوف متبادل تمتد مساحاته بامتداد حياد الدولة التي تفضل النظر إلى المشهد من وراء زجاج النافذة.!. ويبقى الحضور الأمني المكثف لتأمين عرض الفيلم الهندي "الظلام" في أدبي حائل الإشارة الأبلغ على قدر السينما في أن تبقى على تخوم المواجهة قبل إرساء اي شكل من اشكال العلاقة الرسمية مع الثقافة المحلية التي مازالت تقترب من هذا الوافد المتأخر بكثير من التردد والحذر، في وقت لم يعد فيه الفيلم السينمائي منذوراً للسهرة فقط، بل بات حدثاً يجري في كل وقت!. أثير السادة
<<الصفحة الرئيسية








