انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

السينما ..أنثى ملفوفة بسواتر

 
 

 

هناك في هذا الوطن الممتد من هو مشغول بترسيم خطوط طول وعرض للساحة الثقافية، فكل ملاحة فوق هذه الرقعة ينبغي أن تكون صوب القبلة، والقبلة هي بكسر القاف لا بضمها، لأن في ضمها دعوة للانحلال والخروج عن جادة الصواب، وليست القبلة في عرف المتشددين وصفاً لاتجاه الصلاة، بل لاتجاه الحياة كما ترسمه أحلام الساكنين على ضفاف التاريخ، والماسكين بطرف الأشياء خشية السقوط مع هبوب أي ريح.

 

 أولئك الذين اطالوا وقصروا، وجمعوا وبعثروا أحلام الوطن تحت يافطة الصحوة لا يعيشون اليوم إلا قلق الخروج عن نصهم المكتوب في خرائب الهزيمة، قلق يحرضه احتراق اوراقهم الصفراء في اتساع الحقيقة، وزحام المسافرين بإتجاه الشوارع التي تضيؤها قناديل السؤال المغموس  بالحرية. تجدهم يحصون للناس انفاسهم، ضحكاتهم، خف قلوبهم حتى لا يتعرى ذلك الحلم الذابل بارتفاع الشمس في الأفق.

   

إختاروا أن يروا الأشياء بعين نص مفتوحة، وعقل نصف مغلق، يبصرون ولا يبصرون، يقرأون ولا يقرأون، يختصرون مواقفهم تجاه كل جديد بزفير طويل، وسبابة عجلى تطفئ كل شعلة تلامس الحنين للحرية، لطفولة الأشياء، للأمنيات الهاربات من دفاتر الرقيب، ولأن الثقافة أثنى ينبغي لها أن تكون ملفوفة بسواتر، محشورة بين الأسود والأسود، حتى لا يفضحها ويفضحنا الخيط الأبيض من الفجر.

 

خروج الثقافة عن عباءاتهم في حد ذاته تبرج، لذلك ترتجف قلوبهم أذا ما سمعوا همس المموسيقى، أو عاينوا ظلال الصورة السينمائية وهي تتغنج على أرصفة المدينة، تبحث عن موئل بعد طول إنتظار، عن خندق تتحصن به في استراحة الدقائق الهاربات، يريدون لها أن تعود إلى بيت الطاعة، إلى كهولتها المبكرة، حنى لا تؤول احلامهم بلا وطن.

 

من هنا يبدو الممر المؤدي إلى ثقافة السينما ضيقاً جداً في هذا الوطن، فالتجارب التي شاركت في مسابقة أفلام سعودية ما كانت تفطع مسافة جمالية في عدوها في هذا الاتجاه بقدر ما كانت تختبر قدرتها على العبور، بل على الوقوف في وطن بلا سينما. سيحتضنهم التاريخ بقوة لأجل ذلك فقط، لأجل أنهم لوحوا للناس بأفلاهم قبل أن تحملهم اصوات المتشددين على الغياب، لأجل أنهم صرحوا بأنهم كباقي البشر يحبون الصورة في تلونها ودورانها، في صدقها ونميمتها، في تسكعها على أرصفة القضايا والهموم اليومية.

 

المتشددون من فرط خصومتهم مع السينما يحبسون أنفاسهم ساعة يقرأون خبراً عن إقامة عرض سينمائي، يمسكون قناني الحبر ليكتبوا احتجاجاً، تهديداً، أو يرسموا شارعاً يوصلهم إلى مكتب المسؤول خشية أن تشنقهم الصورة، او تصيبهم الموسيقى بشظاياها. وجدتهم بالأمس يتـأرجحون في قاعة العرض بجمعية الثقافة والدمام كلما أطل وجه الموسيقى، وما أكثر الموسيقى وأقل الصورة في تلك العروض، تتصلب سيقانهم وهم يغدون ويروحون بحثاً عن مسؤول يتدحرجون معه على سلم الإيقاع.

 

كل هذا الضجر من بدعة السينما يحال اليوم إلى مشاغبات الموسيقى، الذريعة الأكثر رخصاً، هذا ما حدثتنا به الصحافة في أخبارها بالأمس، وهي تروي قصة إلغاء فيلم "مطر" لعبدالله العياف بعد أن كان مقرراً عرضه في النادي الأدبي بالأحساء، حادثة تحكي عن ذلك الخوف الذي لا ينام، خوف من الصورة السينمائية وخوف من المعارضين لها، ثمة خوف متبادل تمتد مساحاته بامتداد حياد الدولة التي تفضل النظر إلى المشهد من وراء زجاج النافذة.!.

 

ويبقى الحضور الأمني المكثف لتأمين عرض الفيلم الهندي "الظلام" في أدبي حائل الإشارة الأبلغ على قدر  السينما في أن تبقى على تخوم المواجهة قبل إرساء اي شكل من اشكال العلاقة الرسمية مع الثقافة المحلية التي مازالت تقترب من هذا الوافد المتأخر بكثير من التردد والحذر، في وقت لم يعد فيه الفيلم السينمائي منذوراً للسهرة فقط، بل بات حدثاً يجري في كل وقت!.

 

أثير السادة

(1) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 17 يوليو, 2008 07:49 م , من قبل halboali
من المملكة العربية السعودية

لا نلوم هذه العقلية ، فالظروف التي عاشوا فيها كونت عقلياتهم..

ولكن مع مرور الوقت، وزيادة الضغط، سينفلت الموضوع من أيديهم.. كما حدث سابقا مع الدش وجوال ابو كاميرا ..الخ

تحياتي




Add a Comment

<<Home