انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

الانسان بوصفه كائناً مشفراً

  

 


إذا كانت التكنولوجيا قد نجحت في ترك النوافذ مشرعة بين اطراف هذا العالم ، كما نجحت في جعل الإنسان يمضي لاستئناس الحياة الكترونياً عبر وجودات افتراضية متممة لوجوده اليومي وذلك بتحويل مسرح الانترنت الى مسرح حياة ممكنة يشارك فيها الآخرين طرائق عيشهم ، فان الإنسان قد اندفع معها إلى التواري -في شيء من الدفاع عن خصوصيته المهددة- خلف رموز وأسماء تحول دون وصول الآخرين الى تفاصيل عالمه الخاص، وتشبع رغبته في ايجاد نوافذ وابواب موصدة تصون له مجاله الشخصي ضمن هذا الفضاء العام.



وعلى غرار مغارة علي بابا وافتح يا سمسم بات لكل واحد منا مغاراته الشخصية التي لا يطال اسرارها أحد ما دامت كلمات السر المربوطة بها ليست محل تداول ولا مشاركة، لتبقى عصية على الوصول وبعيدة عن المنال..كلمات قد لا تحمل معنــــــى ولا قيمة إلا بمقدار قدرتها على كتم السر وصيانة الطابع الشخصي لتلك المساحات الافتراضية، فهي تنال مبررها وجودها من فعل التعمية على خلاف صورة الكلمة الاعتيادية التي يراد بها الوصف و الكشف.


لو عددت كلمات السر التي تستخدمها في حياتك اليومية ، ابتداءاً من جهاز الكمبيوتر والبريد الإلكتروني وانتهاءاً ببطاقاتك المصرفية لاكتشفت بأنك كائن ينزع للتشفير بحثاً عن مزيد من  تلك الخصوصية التي تبدو هذه الأرقام والكلمات السرية المتكدسة هي المظهر اللصيق بها ، فهذه الشفرات والعلامات ليست سوى إشارة الى ذلك السلوك المتنامي الذي توالد عن قلق الانكشاف واختزال هذا الوجود المستقل في سيادة وسائط الاتصال الحديثة التي خلقت لنا خرافة الاستقلالية والتماهي في آن وهي ترسم فضاءاتنا الجديدة.


لذلك ستغدو الخصوصية السؤال الأكثر إلحاحاً في سياق التطورات التقنية، سنرى برامج وعصابات شاغلها  انتهاك الخصوصيات وتجريد المعلومات السرية من سريتها وفي مقابلها تقنيات وطرائق تجهد للحد من فاعليتها، وتبقى متانة أي موقع أو جهاز أو شبكة في قدرتها على الصمود إلى ما لا نهاية ، فيما يمضي الناس لاستشفاف معائب التقنية الرقمية والاحتراز في اختيار  كلمات السر التي تصبح أكثر صعوبة كلما تعددت نظراً لمحدودية وهشاشة الذاكرة قصيرة المدى في استعادة التراكيب العشوائية من المعلومات، الأمر الذي يحرض البعض  على اختيار أشياء أشد حضوراً في الذهن كتاريخ الميلاد ورقم الجوال وخلافه ، أو حتى كتابتها على الورق او تخزينها ما يمثل مخاطرة في حد ذاته.


وقضية غوغل التي تشهدها المحاكم هذه الأيام حول طلبات الكشف عن بيانات المشتركين في موقع يوتيوب الشهير تبدو المثال الأبرز على هذه اللحظة من الارتباك التي تعيشها الشؤون التقنية من أجل تحديد المساحة الممكنة وغير الممكنة من الخصوصية، فكل ما يتم رصده من معلومات المشتركين قابل لأن يصبح ضمن منطقة المتاح و المتداول، وليس من ضمانة سوى الثقة التي يصعب التفاؤل بمستقبلها رغم ادعاء الكثير من المواقع حرصهم على تعزيزها.



وباختصار سيبقى الكائن البشري ممسكاً بكل أسراره، مدفوعاً نحو المزيد من التشفير حتى لا ينتهي وجوده الشخصي الى عدم على مذبح التكنولوجيا، فهو يقبل على اغراءتها بكثير من الحب وكثير من الخوف، خشية أن يخسر شيئاً من مغاراته الخاصة في عالم موسوم بالفضول.   

 
أثير السادة

 

 

 

(0) تعليقات

ما يشعله السعداوي.. وما يطفئه التفريغ




الخميـس 05 شعبـان 1429 هـ 7 اغسطس 2008 العدد 10845
جريدة الشرق الاوسط


يحتل المخرج المسرحي البحريني عبد الله السعداوي موقعاً بارزاً على خارطة الابداع المسرحي عربياً، باعتباره واحداً من ابرز المشتغلين على تطوير الخطاب المسرحي في المنطقة، عبر أعماله الكثيرة التي حازت تقديراً واهتماماً داخل البحرين وخارجها، كما نالت نصيباً من الجوائز في المهرجانات والملتقيات المسرحية.


وكان المثقفون البحرينيون قد قادوا في السنوات الأخيرة حملة يطالبون فيها بـ(تفريغ) السعداوي ابداعياً، قدمت فيها عرائض وطلبات، ونشرت لأجلها مقالات وملفات صحافية، غير أن شيئا من ذلك لم يحصل، رغم تعاقب عدد من وزراء الاعلام في البحرين خلال هذه المدة.


الذين سطروا مقالاتهم في الدفاع عن حق عبد الله السعداوي في التفرغ رسمياً للإبداع، كانوا ينتظرون قراراً يحفظ لقلب هذا الرجل بعض احلامه التي فاضت بها تجاربه المسرحية الخارجة عن خطوط المسرح المستقيمة، بحثا عن سعة التعرجات التي تعرفها مديات التجريب. فكان أن عانقت خيوط الضوء مرات ومرات وهي تنتهك الساكن والجامد في لغة المسرح وأدواته، لتصبح الممارسة بحد ذاتها فعل هدم وبناء وثيق الصلة بهذه المواجهة المستمرة بين ذاته كمخرج وبين سؤال المسرح الذي لا يستقر على رصيف!.


كل الذي أرادوه من كتاباتهم وعرائضهم أن يعبر هذا الرجل بأسئلته إلى جهة المسرح بكثير من الحرية، قبل أن يصير هذا الركض اليومي باتجاه لقمة العيش أفكاره وأحلامه رمادا، أن يتمدد كمبدع حر، لا تخنقه الحاجة على خارطة المسرح التي تآكلت هي الأخرى من جراء شيخوخة المسرحيين المبكرة، وتساقطهم أمام مغريات التلفزيون، وهم في كل ذلك يدركون الحضور النوعي لتجربة السعداوي ضمن أفق العمل المسرحي العربي.

محطات عدة مر بها السعداوي في مسيرته المسرحية، وفي مقدمتها الامارات التي تنحاز لها ذاكرته الممتلئة بالتحولات، وذلك منذ أن وصلها شاباً في نهاية السبعينات. التقى السعداوي هناك بالفنان العراقي الراحل ابراهيم جلال، واستمر في ملازمته طيلة مدة اقامته التي بلغت ست سنوات، ملازمة فتحت آفاق المسرح عند السعداوي على مدى اوسع فأنتجت معرفة جديدة ومغايرة للمسرح، اسست لكل ملامح المرحلة التي تبعت هذه التجربة كما أعانت في خروج السعداوي من تصوراته وصورته القديمة.


لم تكن «الكمامة» التي نال عنها جائزة افضل اخراج في مهرجان القاهرة التجربيي 1994 بداية الحكاية، فقد سبقتها عروض أخرى، غير أنها التي اخرجته من دائرة النسيان، ودفعت بمزيد من الضوء ناحية الصواري، المختبر المسرحي الجديد الذي جمع تلك الوجوه البحرينية الشابة ممن تفتحت عيونها على معطيات التجريب، وسعت إلى إيقاظ الرغبة في البحث عن الأشكال المغايرة للمسرح.. في هذا المفصل التاريخي تحديدا ارتفعت في المشهد المسرحي صارية المشغولين بصناعة الأسئلة وباتت الصواري مظلة لأولئك الساعين إلى خلخلة الصور المألوفة عن البناء المسرحي.

تُحدثنا ذاكرة المسرح في البحرين بكثير من الاحتفاء عن عروضه الأهم مع الصواري: سكوريال، الكمامة، والقربان، قبل أن نطالعه في تجاربه الأخيرة : الكارثة، ابني المتعصب ومتروشكا، عروض كانت تمضي بنا إلى طقوس السعداوي المفتوحة على شهية التجريب، في لعبة مسرحية لا يرتخي فيها جفن المشاهد وهو يحمل حيرته بين كفيه حين يبصر المسرح خارج صورته النمطية، وقريباً من حده الأدنى، فلا شيء عند السعداوي يعادل في تعقيداته سؤال المسرح الذي يدعي ذات حوار بأنه لا يعرف ما المسرح لذلك «يجرب ويخون المسرح» كسبيل لاعادة بعثه من جديد!. 

 

 يقف السعداوي اليوم بما تبقى من شعره الابيض ولحيته الكثة على منصة أحلامه التي أزهرت باكرا لكنها لا تزال على حافة الارتواء، يستيقظ كل صباح دون أن يهتف باسم احد، وهو يقطع الطريق إلى التقاعد ليطوي سنوات العمل التي بدأت منذ الطفولة، فيما يصّعد الأصدقاء والمريدون من أصواتهم باتجاه طلب التفريغ الذي حين استطال وأصبح أشبه بالمحال أُفرغ من قيمته ومعناه، وأصبح ربما جزءا من سيرة الوجع التي يحياها مبدع بقامة قديس كالسعداوي، مبدع يملك الأفق غير أنه لا يملك حظاً يصافحه ليخرج من متاهة الإلحاح على التفريغ.

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية