
إذا كانت التكنولوجيا قد نجحت في ترك النوافذ مشرعة بين اطراف هذا العالم ، كما نجحت في جعل الإنسان يمضي لاستئناس الحياة الكترونياً عبر وجودات افتراضية متممة لوجوده اليومي وذلك بتحويل مسرح الانترنت الى مسرح حياة ممكنة يشارك فيها الآخرين طرائق عيشهم ، فان الإنسان قد اندفع معها إلى التواري -في شيء من الدفاع عن خصوصيته المهددة- خلف رموز وأسماء تحول دون وصول الآخرين الى تفاصيل عالمه الخاص، وتشبع رغبته في ايجاد نوافذ وابواب موصدة تصون له مجاله الشخصي ضمن هذا الفضاء العام.
وعلى غرار مغارة علي بابا وافتح يا سمسم بات لكل واحد منا مغاراته الشخصية التي لا يطال اسرارها أحد ما دامت كلمات السر المربوطة بها ليست محل تداول ولا مشاركة، لتبقى عصية على الوصول وبعيدة عن المنال..كلمات قد لا تحمل معنــــــى ولا قيمة إلا بمقدار قدرتها على كتم السر وصيانة الطابع الشخصي لتلك المساحات الافتراضية، فهي تنال مبررها وجودها من فعل التعمية على خلاف صورة الكلمة الاعتيادية التي يراد بها الوصف و الكشف.
لو عددت كلمات السر التي تستخدمها في حياتك اليومية ، ابتداءاً من جهاز الكمبيوتر والبريد الإلكتروني وانتهاءاً ببطاقاتك المصرفية لاكتشفت بأنك كائن ينزع للتشفير بحثاً عن مزيد من تلك الخصوصية التي تبدو هذه الأرقام والكلمات السرية المتكدسة هي المظهر اللصيق بها ، فهذه الشفرات والعلامات ليست سوى إشارة الى ذلك السلوك المتنامي الذي توالد عن قلق الانكشاف واختزال هذا الوجود المستقل في سيادة وسائط الاتصال الحديثة التي خلقت لنا خرافة الاستقلالية والتماهي في آن وهي ترسم فضاءاتنا الجديدة.
لذلك ستغدو الخصوصية السؤال الأكثر إلحاحاً في سياق التطورات التقنية، سنرى برامج وعصابات شاغلها انتهاك الخصوصيات وتجريد المعلومات السرية من سريتها وفي مقابلها تقنيات وطرائق تجهد للحد من فاعليتها، وتبقى متانة أي موقع أو جهاز أو شبكة في قدرتها على الصمود إلى ما لا نهاية ، فيما يمضي الناس لاستشفاف معائب التقنية الرقمية والاحتراز في اختيار كلمات السر التي تصبح أكثر صعوبة كلما تعددت نظراً لمحدودية وهشاشة الذاكرة قصيرة المدى في استعادة التراكيب العشوائية من المعلومات، الأمر الذي يحرض البعض على اختيار أشياء أشد حضوراً في الذهن كتاريخ الميلاد ورقم الجوال وخلافه ، أو حتى كتابتها على الورق او تخزينها ما يمثل مخاطرة في حد ذاته.
وقضية غوغل التي تشهدها المحاكم هذه الأيام حول طلبات الكشف عن بيانات المشتركين في موقع يوتيوب الشهير تبدو المثال الأبرز على هذه اللحظة من الارتباك التي تعيشها الشؤون التقنية من أجل تحديد المساحة الممكنة وغير الممكنة من الخصوصية، فكل ما يتم رصده من معلومات المشتركين قابل لأن يصبح ضمن منطقة المتاح و المتداول، وليس من ضمانة سوى الثقة التي يصعب التفاؤل بمستقبلها رغم ادعاء الكثير من المواقع حرصهم على تعزيزها.
وباختصار سيبقى الكائن البشري ممسكاً بكل أسراره، مدفوعاً نحو المزيد من التشفير حتى لا ينتهي وجوده الشخصي الى عدم على مذبح التكنولوجيا، فهو يقبل على اغراءتها بكثير من الحب وكثير من الخوف، خشية أن يخسر شيئاً من مغاراته الخاصة في عالم موسوم بالفضول.
أثير السادة
السبت, 30 اغسطس, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








