في مشهد الثقافة المحلية ينتصف الطريق بين النادي الأدبي وجمعية الثقافة فتتناثر الأوراق في كل الاتجاهات....يتمدد النادي في زحام الشوارع بالدمام ليعلن اتصاله بالمدينة، وبالحداثة، وباقي الاشياء التي تذاكرها الاصدقاء في لحظة التغير حتى عبرت بنا من مرحلة الرز الى مرحلة الفطائر ، فالتمرين الأول على ملعب المدافعين عن الانتخابات انتهى الى صالة مسقوفة وشاشة للنقل الحي وقبو لظلال الشجر ساعة انكسار اشعة الشمس على اغضانها عند الغروب. ابتسم الشارع للنادي الادبي فحمله الى غواية التصويت، والترشيح، وتدوير الكراسي، فاتسع باب النادي للمسرح والسينما كما اتسع لتداعيات المشهد الثقافي وسجالاته، حتى كان الهاجس لما بعد التصويت هو تسجيل النقاط في دفاتر التغيير بعد ان كان النادي اريكة يستريح عليها من فرغت ارواحهم من الاسئلة وباتوا بانتظار ساعة الانصراف في كل مناسبة. دخل النادي في اوهام المرايا المقعرة، سيتوهم حتى نعاس العابرين فوق تلك الكراسي الفارغة من تلك المساءات صحوة تكفي للبقاء في صخب الأحلام التي لونت وجوه المسندين ظهورهم على وعود الثقافة الجديدة ، ظل السقف منخفضا كما هي القاعة المسقوفة، لا يحتمل وقوفا عند حافة العناوين الصريحة للشفافية والديمقراطية وحقوق الانسان ، ولا مطاولة لتوازنات القوى التي توجه المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي في هذا الوطن. وبخلاف الاندية الادبية التي تم سوقها للعبة الترشيحات، مازالت شؤون الثقافة تدار في جمعيات الثقافة والفنون على طريقة "صدر قرار بتكليف" ، فكل فراغ اداري يجري شغله بقرار رسمي ، حين يفرك المسؤول عينيه قبل ان ينظر الى قائمة الترشيح التي تتشابه في مرآيا الوزارة، وتشير كالبوصلة دائما الى اتجاه واحد... باتجاه الوسط الذي كلما ضقنا به اتسع ، وكلما افرطنا في نقده تكرش وارتفع. هذه الجمعيات تبدو آيلة للسقوط والتلاشي بفعل تشظيها الى تجمعات صغيرة تتلحف بعناوينها الخاصة ، الا انها تبقى نافذة مفتوحة على ارث الوصاية القديمة ، عنوانا لاستمرار الرتابة في ممارساتنا الثقافية، لضيق الابواب والنوافذ ، وللتذكير ان لا قانون جامع للثقافة، الا ما تفرضه ادعاءات التغيير التدريجي ، ومقولات الخصوصية ، وباقي مسوغات التخدير الثقافي ، وترحيل المشاريع الثقافية الجادة عن هذا المشهد. واذا لم يكن هنالك من استقالات مسببة ثقافيا حتى الآن في مؤسسات الثقافة المحلية كما يرى العباس ، فهل هناك في المقابل تعيينات معللة ثقافيا لدى صانع القرار الرسمي بالرياض!. تعالوا ننتظر صدور قرار بتكليف آخر لنتراهن!![]()
وطني الذي هجاني في درس التوحيد وأخرجني عنوة من حصص التاريخ أخاف ان يسوقني بضاعة مزجاة في سوق المتاجرين بالشعارات الوطنية ممن لبسوا ستراتهم الرسمية ساعة الكتابة، فراحوا يرسمون الوطن على مقاسهم وأرسلوني فيما تبقى إلى سلة المهملات، أو سلة الجيران!. أخاف من اليسار واليمين والوسط، فكلما حرك حسن نصر الله عمامته استداروا لي يسألونني ان كانت ساعة المنبة ليلة البارحة كانت مؤقته على خطاباته، وإن كنت ساعتها متبرما أو باسما أو نائما، تاركين لي خطوطهم الحمر على شفتي كي لا ينتهي الجواب إلى خيبة للوطن الذي كثيرا ما أرسلوه للحلاق!.. يختلفون معظم الوقت فيما بينهم، لكنهم يتفقون في لحظة نادرة على قص لساني، وعلى حرماني من لذة الزفير، فأنا باختصار مواطن حمله الوطن كرهاً ووضعه كرهاً وتبناه كرهاً لولا بصمات أصابعه على براميل النفط الغافية بالجوار منه. حنجرتي التي رددت أناشيد الوطن زمنا طويلا في طوابير الصباح، تحت لهيب الشمس وتحت زخات المطر، لن تسعفني كثيراً في حراج الأوسمة الوطنية الذي يقوده كتاب الأعمدة في صحائف الوطن الخضراء والصفراء والبيضاء.. لن تكفيني في صراخ الإذاعات التي جعلت مني حية تسعى، جملا بلا سنام، وهلالاً لا يشبه العيد، ولا يبعث السرور في وجه الوطن.. حتى رؤوس النخيل وحبات الرمل وزبد الشاطئ الذي نادمته صبياً لن يجدي في منحي الحق للرقص على وقع أغاني الوطن!. أخاف أن يملني وطني لكثرة ما ذكرته بأني حملته يافطة في ساعة الرخاء والشدة، وتوسدته في سكينة الليل وجعلت منه ثوبا يسترني، فيما هو ينسى كل أسباب خوفه في غمرة الخوف لأبقى خوفه الأول والأخير، ويبقى كلانا يخاف الآخر، ووقتئذ لن املك من خارطة الوطن إلا الخوف لأسكنه ويسكنني! 
أخاف أن يتركني وحيدا لذئاب تعوي كلما ارتفع السعار القومي في المنطقة وأمطرت سحائب الصيف السياسي مطرا طائفيا، فهناك تصبح الرؤية معدومة، وتصبح خطوة واحدة نحو الاختلاف تعادل جريمة شرف، أو هتكاً للإجماع الوطني الذي لا يحتاج إلى مخاضات للولادة، فهو موجود بالقوة ولا يقبل القسمة أو الطرح إلا في قضايا الاختناقات المرورية.
أخاف ان انتهي مسرحية حزينة بلا تشويق على يد رجال مافتئوا يكنسون صورتي ضمن حملات النظافة العامة التي ترى فيَّ كائنا مقطوعا عن الإيمان، هذا الإيمان الذي لا ينبغي له أن ينام إلا على أرصفتهم، ولا يمر إلا بشوارعهم، لذلك قد يسار بي إلى اختبار لتصحيح النظر في غرف ضيقة لا مقبض لأبوابها، فهي مفتوحة على اتساع القانون الذي صيرني مجرما مسكوتا عنه حتى إشعار آخر.
يقال إن بيتنا القديم كان يطل على البحر، بل كان البحر يستريح في بعض أحوال المد في داخله، لم يكن قصرا مطلا على الشاطئ بالطبع، وإنما واحدا من الشهود على تبدل ذلك الماء المالح إلى يابسة يسكنها الناس.. وفي ذلك الحي الصغير الذي تعشقنا الركض فيه صبيانا كانت النجوم تضيء ليلاً لبيوت اغتسلت بماء البحر نهاراً.. وتلونت بخضرة النخيل التي كانت سمة المدينة قبل أن يغدر بها طوفان الاسمنت، وتستحيل أرصفة متشابكة لبيوت أدارت وجوهها إلى الخلف. كان الهواء في ليل هذا الحي يفيض بحكايات وأساطير ترسم حدودا لفرادة المكان، حكايات عن عبدالعين الذي يتربص بالعابرين من أليمة في ساعة العتمة، وعن إبراهيم السبع الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيكشف ما استتر عن عيون الناس، وعن عبدعلي الذي جعل السماء رقاص ساعة يهبه الوقت والمواعيد، وعن الذين اصطفوا مبكرا في طوابير الانتماء الحزبي للبعث، ومثلهم ممن هرعوا إلى رقعة التدين والخلايا النائمة في زحام النضال السياسي بعد أن كانوا شهودا على هوامش الموسيقى والغناء في هذا الحي الذي لم تتبدل رغبته في أن يختصر المدينة بين ثناياه. يتعقبك هدير الهتافات في هذا الحي الذي تركت كل التيارات تواقيعها على أطراف شوارعه، تتراءى في محطات الذاكرة صور الأخباريين الذين ضاق بهم التاريخ وأصبحوا بقايا معركة قديمة، الشيرازيين في فورة حماسهم الثوري، البعثيين في محنتهم أيام الحرب العراقية الإيرانية، جماعة الإمام في انتظام فعلهم الثقافي، وسجالات ولاية الفقيه، محطات أوشكت أن تنقضي فصولها، لكنها ظلت كالشظايا في ذاكرة الحي الذي غدا دواراً كبيرا لحسينيات ترسم لوحة الحزن والفرح على جدرانه. ذلك الحي الذي يصمه الشامتون بأهل الكوفة صار يبحث له عن صورة تشبه كربلاء، يفاخر برايات الحزن التي ينشرها على جدرانه في مواسم الحزن، بمجسم يحاكي المشرعة وصور الضحايا وسهام الغدر وحتى الضريح الذي بات يتطوفن به النسوة في مواسم عاشوراء.. لم يتبق من حكايات الحي غير شعارات منذورة لدموع العابرين بساحاته ساعة لا يرف في المكان سوى أذرع اللاطمين على صدورهم، وبقايا حنين لانجذابات التلاقي في الأزقة القديمة والدكاكين الصغيرة التي حوت أجيالا بين زواياها. ![]()
أنا مشدود إلى تلك الوجوه المحشوة بالتفاصيل.. إلى الباعة الجائلين في الظهيرة.. العجائز المتدثرين بصمتهم.. الساكنين بأحاديثهم على الأرصفة.. والهامسين إلى الشارع برغبات اللعب.. تتسع العدسة لكل أولئك الذين لا يظلهم شجر.. ولا تحتويهم إذاعة.. ولا يشغلهم هدير السيارات العابرة. أبصر في فسحة الضوء تقاسيم الحزن والفرح، أمنيات الناس وأوجاعهم، وربما هذا سر خصام البعض منهم مع وميض الكاميرا، يخافون ان يفضح حدس الصورة المخبوء من تداعيات الروح، ما كتبته السنون على صفحة الوجه من قصائد حزينة مسكونة بالخوف من الآتي.. سيخفق قلب البعض مرات؛ لأنه سيكتشف مع استدارة العدسة انه لم يعد قادرا على اصطناع ابتسامة مترفة، وسيتذكر البعض الآخر ما ذبل من غصنه في ليل المحطات الطويلة، لن يحب فكرة الخلود الهش الذي تعد به الصورة، وقد يغلق حديقة أحزانه دون أن يخطف الضوء منها شيئا للذكرى. ما يتبقى بعد مغادرة تلك الأمكنة حفنة من ضوء لا تكفي لاحتضان ما تساقط من مشاعرهم، وما خرج عن صمتهم من دقائق وثوان ترنو للبوح عن صباحاتها المتعبة، أنحني معها في كل مرة لأختار ركنا يفيض بالماء، ويفيض بما تنشد إليه الروح في تلويحة الكاميرا، ليمشي الضوء حيث يتسع المدى لصوغ صور ترسم لوحة منا على وجوه الآخرين.![]()
بلا موعد أطارد الوجوه في شوارعنا، أجوب الأزقة بحثاً عن آخر خيوط الضوء الساقط على العابرين في تلك الدروب الضيقة، لا شيء يطفئ فضول الكاميرا سوى التسلل إلى تلك التعابير الشاردة في عيون الناس، إلى اليابس والرطب من ملاحمهم، وأعرف ساعتها كيف تضطرب عضلات وجه الواحد منهم حين تدير الكاميرا وجهها صوبه، هناك أنسى هذا المتسع من الضوء وأبحث عن ظل ابتسامة تقطع الطريق على ارتباكات هؤلاء الناس، أصافحهم بطمأنينة، فيما هم يراقبونني بحذر خشية أن تفتح الصورة بابهم الموصد!.
حين التقيت شريعتي..![]()
بين الكتب تتجول عينا مراهق يتأبط كل أحلام الثوار، عليه غبار هادي المدرسي وحسن الصفار وفي ذاكرته وعود 73 شمعة.. لا يلتفت إلى اشتعال جسده الغر، فالتدين الذي حمله عنوانا وهو يبدأ الطريق إلى الحياة جعله لا يبصر إلا المآذن والعمائم ومهرجانات الدموع.. يبحث عن مراهقته بين طيات الكتب.. كانت المكتبة خليطا من دين وسياسة وتاريخ وأدب.. تتجاور فوق الرفوف حروف ميكيافيلي ومحمد الشيرازي وميخائيل نعيمة وجورج طرابيشي ومطهري و...هكذا بلا اتفاق تلتقي تلك الأصوات المتناثرة.. وتسكن تلك العوالم على رصيف واحد.. وهكذا تختزل صورة قارئ لم تتشكل هويته بعد.. مزاجه مفتوح على اتساع ألوان الحبر..
تحدثه نفس أن يرفع الغبار عن كتيبات عليها عوالق ماكنة التصوير، حفنة أوراق تحمل اسماً لا ينام على تلك الرفوف، سأبصر معها وجهاً غائباً خلف حبر الطباعة، وخلف تجاعيد الورق الذي يطبع كالمنشورات الممنوعة، كان ذلك وجه علي شريعتي، وكانت تلك الغواية الأجمل التي ستوقظ فيه فتنة السؤال، والبحث عن رف آخر من الكتب يشبهني ويشبه شريعتي في حماسته لحمل الدين في قطار الأدلجة.
بعدها أصبحت كل الرفوف مثقلة بالحنين للمختلف، للغائب عن شفاه التائهين في أزقة التدين، أبحث عن رفي المفقود في انطفاء المصابيح، رف لا ينتظم كقصيدة، ولا يرتفع كغصن الرمان، لكنه يبوح بحكايات العاشقين للمعرفة، للذين فتحوا شبابيكهم باتجاه الريح، وربما باتجاه قذائف الموجفين من ارتياد مناطق السؤال.
مازال الرف خليطاً كما كان في بداياته يلعب دور الوسيط بين كل الأفكار والأصوات، غير أنه اتسع أكثر لاستفزازات النقد، وأصحاب الأصوات الحادة، وبات لا يحمل عنوان أحد، سوى هذا الكائن المتشظي الذي يتموضع في منتصف الطريق، قبل أن يشيد نصه الخاص، ويتجاوز حدود المتن التي ترسمها سلطة القراءات التوفيقية.
<<الصفحة الرئيسية








