انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

تلويحة الكاميرا

 

بلا موعد أطارد الوجوه في شوارعنا، أجوب الأزقة بحثاً عن آخر خيوط الضوء الساقط على العابرين في تلك الدروب الضيقة، لا شيء يطفئ فضول الكاميرا سوى التسلل إلى تلك التعابير الشاردة في عيون الناس، إلى اليابس والرطب من ملاحمهم، وأعرف ساعتها كيف تضطرب عضلات وجه الواحد منهم حين تدير الكاميرا وجهها صوبه، هناك أنسى هذا المتسع من الضوء وأبحث عن ظل ابتسامة تقطع الطريق على ارتباكات هؤلاء الناس، أصافحهم بطمأنينة، فيما هم يراقبونني بحذر خشية أن تفتح الصورة بابهم الموصد!.

أنا مشدود إلى تلك الوجوه المحشوة بالتفاصيل.. إلى الباعة الجائلين في الظهيرة.. العجائز المتدثرين بصمتهم.. الساكنين بأحاديثهم على الأرصفة.. والهامسين إلى الشارع برغبات اللعب.. تتسع العدسة لكل أولئك الذين لا يظلهم شجر.. ولا تحتويهم إذاعة.. ولا يشغلهم هدير السيارات العابرة.

أبصر في فسحة الضوء تقاسيم الحزن والفرح، أمنيات الناس وأوجاعهم، وربما هذا سر خصام البعض منهم مع وميض الكاميرا، يخافون ان يفضح حدس الصورة المخبوء من تداعيات الروح، ما كتبته السنون على صفحة الوجه من قصائد حزينة مسكونة بالخوف من الآتي.. سيخفق قلب البعض مرات؛ لأنه سيكتشف مع استدارة العدسة انه لم يعد قادرا على اصطناع ابتسامة مترفة، وسيتذكر البعض الآخر ما ذبل من غصنه في ليل المحطات الطويلة، لن يحب فكرة الخلود الهش الذي تعد به الصورة، وقد يغلق حديقة أحزانه دون أن يخطف الضوء منها شيئا للذكرى.

ما يتبقى بعد مغادرة تلك الأمكنة حفنة من ضوء لا تكفي لاحتضان ما تساقط من مشاعرهم، وما خرج عن صمتهم من دقائق وثوان ترنو للبوح عن صباحاتها المتعبة، أنحني معها في كل مرة لأختار ركنا يفيض بالماء، ويفيض بما تنشد إليه الروح في تلويحة الكاميرا، ليمشي الضوء حيث يتسع المدى لصوغ صور ترسم لوحة منا على وجوه الآخرين.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية