انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

حي بحجم الوطن

يقال إن بيتنا القديم كان يطل على البحر، بل كان البحر يستريح في بعض أحوال المد في داخله، لم يكن قصرا مطلا على الشاطئ بالطبع، وإنما واحدا من الشهود على تبدل ذلك الماء المالح إلى يابسة يسكنها الناس..

وفي ذلك الحي الصغير الذي تعشقنا الركض فيه صبيانا كانت النجوم تضيء ليلاً لبيوت اغتسلت بماء البحر نهاراً.. وتلونت بخضرة النخيل التي كانت سمة المدينة قبل أن يغدر بها طوفان الاسمنت، وتستحيل أرصفة متشابكة لبيوت أدارت وجوهها إلى الخلف.

كان الهواء في ليل هذا الحي يفيض بحكايات وأساطير ترسم حدودا لفرادة المكان، حكايات عن عبدالعين الذي يتربص بالعابرين من أليمة في ساعة العتمة، وعن إبراهيم السبع الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيكشف ما استتر عن عيون الناس، وعن عبدعلي الذي جعل السماء رقاص ساعة يهبه الوقت والمواعيد، وعن الذين اصطفوا مبكرا في طوابير الانتماء الحزبي للبعث، ومثلهم ممن هرعوا إلى رقعة التدين والخلايا النائمة في زحام النضال السياسي بعد أن كانوا شهودا على هوامش الموسيقى والغناء في هذا الحي الذي لم تتبدل رغبته في أن يختصر المدينة بين ثناياه.

يتعقبك هدير الهتافات في هذا الحي الذي تركت كل التيارات تواقيعها على أطراف شوارعه، تتراءى في محطات الذاكرة صور الأخباريين الذين ضاق بهم التاريخ وأصبحوا بقايا معركة قديمة، الشيرازيين في فورة حماسهم الثوري، البعثيين في محنتهم أيام الحرب العراقية الإيرانية، جماعة الإمام في انتظام فعلهم الثقافي، وسجالات ولاية الفقيه، محطات أوشكت أن تنقضي فصولها، لكنها ظلت كالشظايا في ذاكرة الحي الذي غدا دواراً كبيرا لحسينيات ترسم لوحة الحزن والفرح على جدرانه.

ذلك الحي الذي يصمه الشامتون بأهل الكوفة صار يبحث له عن صورة تشبه كربلاء، يفاخر برايات الحزن التي ينشرها على جدرانه في مواسم الحزن، بمجسم يحاكي المشرعة وصور الضحايا وسهام الغدر وحتى الضريح الذي بات يتطوفن به النسوة في مواسم عاشوراء.. لم يتبق من حكايات الحي غير شعارات منذورة لدموع العابرين بساحاته ساعة لا يرف في المكان سوى أذرع اللاطمين على صدورهم، وبقايا حنين لانجذابات التلاقي في الأزقة القديمة والدكاكين الصغيرة التي حوت أجيالا بين زواياها.



(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية