انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

بخور المآتم

 

 
النسوة في حينا كأسراب الحمام.. في ساعة العصر تتشابك عباءاتهن السود وهن يقطعن الطريق الى شبابيك الحزن والفرح، إلى مآتم يرتشفون فيها كؤوس اوجاعهم ، يتحدثون فيها بلا ملل عن دولاب محطم، صحون مملوءة بالتعب، وأيام تناثرت كحبات السبحة بين يدي القدر.

 

لهن ظلال تلتصق بالجدران ..تبحث عن مكان آمن من زعيق السيارات وركضها المجنون ..من خلف تلك الغشاوي السود يحدقن في اتساع الطريق ، طريق لم يتوقف العامل الآسيوي عن رفع الغبار عن وجهه الكئيب، ترفع النسوة عباءاتهن خجلاً وهن يجاوزن ما أجتمع من بقايا الماء فوق الرصيف ، تبصر من ورائها الثوب الهاشمي، سراويل كالحة اللون مذخرة لاحتفالات الدموع، وحقائب يجمعن فيها مناديل للبكاء في مصرع العباس، وبقايا عطايا أم البنين، ونظارة مقعرة يشاهدن بها ما تعرضه الشاشة من فصول الحزن الكربلائي في كل يوم.

 

في المأتم يتسع التاريخ لنصوصهن ، لدفاتر القلب، لأزاهيرهن الذابلة في وجع الكهولة، هناك على شرفة الألم يستحيل كل شيء دمعة ، يصبح ذاك الغناء الحزين على زينب الحزينة،و شمعة الشبان، وقمر عدنان، والعريس جاسم ضياعاً في مرايا الذكريات، ومرارات الانكسار ، فهم يصدحون حين البكاء بما لا يخرج بين الشهيق والزفير من أنفاس محبوسة لا تغادر صدورهم إلا في انزلاق الدموع.

 

لا تغادر الملاية مسرعة فوق السطور ، تمسك بكلتا يديها بكتاب المقتل ، لاتطفئ دمعة في لهيب المشاعر، وظيفتها أن توقظ كل شموع الحزن في زوايا المأتم، أن تحرس التماع الدمع في الأماقي، لتذوب في نهر الدموع كل عذابات عقارب الساعة..يتسارع نبض المكان، والعباءات السود تترنح بين الونة والونة...على الحد ترقص لفرط تفجعها، تلوذ النسوة بترديد النداءات...واحسين واحسين ..خلف العباءة ترقص الجراحات في نزيف المشهد الكربلائي..تعبر المسافات لتستعيد صورة القتيل..الملاية  تصعد درجة أخرى على حبال صوتها..تخرج صوتاً يحض على المزيد من السخاء في نثر الدموع.."مقطوع الوتين" .."مرمل بالدماء" .."مقطع الاعضاء"..تتسع دائرة الواقفين للطلم..غابة من سواد تتدثر بغبار التاريخ في اشتهاء للانعتقاق من سيرتها الذاتية.

 

يقترب المأتم من نهايته ، النسوة يمسحن دموعهن، فيما الأحاديث الجانبية تولد بعد انقطاع النياحة، يموج المأتم عندها بهدير الزحام والكلام المتشابك، لا شيء سوى ما تساقط من أوراقهم اليومية، وفناجيل القهوة ، وصوت المبربرين في قلم القدو، الذين يرسمون سحابة من دخان  تغطي خطوات المغادرين باكرا من مجلسهم.

 

وفي لحظة الرحيل سلامات طويلة، ألوان من الدعاء ، تحايا تطرز للمكان صِلاته الحميمة، تذكرهم ببقايا الصور التي يملكون، والاماكن التي يعرفون، والناس والشوارع التي يألفون، والشمس وقتها تشرف على الانصراف ، تاركة دربهم في امتداد العتمة التي تشاطرهم ما تبقى من سويعات المساء ، لتحبس العباءات السود دموعها لمشهد حزن قادم آخر.

 

أثير السادة

 

(2) تعليقات

حكايا المقهورين في احتفالية العالم المسرحي

 
 
  

مسرح المقهورين تجربة تفترق عن سواها من التجارب المسرحية باصرارها على اكتشاف الجوهر الاجتماعي والبيداغوجي والجمالي في آن معا لهذا الفعل الابداعي الذي استقر على صورة التقسيمات المألوفة بين عارضين ومتفرجين ، بين منصة عرض وصالة جمهور، بين ماض وحاضر،  فيما ينشغل هذا المسرح في تكوينه الخاص بتأسيس علاقة شراكة جديدة ، شكلا من اشكال الاندماج بين الاثنين لأجل دفع المسرح ، وكذا الإنسان الى وظيفته الارقى وهي التغيير، تغيير الواقع، وليس التماهي معه كما ينشد المسرح السائد بتقاليده العتيدة.

كان رائد التجربة اوغستو بول يرى في اشكال الفصل التي يتأسس عليها الفضاء الجمالي للمسرح التقليدي أكثر من مجرد تقسيم مكاني ومعماري، هو عزل للناس عن دائرة الفعل، عن ممارسة التغيير، عن ان يكونوا ناظرين ومنظورين في آن، ومسرح المقهورين يدفع باتجاه جعل المسرح مرآة تمكننا من التدخل لتعديل صورنا لا مجرد النظر اليها..خلاصة التجربة كانت في العمل على بناء تلك الصور وتركيبها، ترتيبها  وابدالها، فالمقهورين بحسب بول يعمدون الى خلق صور عن واقعهم وثم يباشرون العيش في تلك الصور ، والمطلوب معاونة اولئك على التخلص من تلك الصور التي تطوق تفكيرهم، واحلامهم، وحياتهم، وتنتصب كمكرسات لحالات القهر.

من هنا سعى الى اخراج المتفرجين من البقاء على هامش الفعل الى حيز الفعل الحقيقي، من خلال صيغة حلقة النقاش (مسرح المنتدى) التي عززت التشابك بين الممثلين والمتفرجين في انتاج العرض ، فالمسرح برأيه هو نحن ، لاننا جميعا ممثلون، ولأن المسرح ليس بحاجة الى جمهور ومنصة ، بل الى مؤدٍ ليكون قائما وموجودا.. وبهذا لن يكون المتفرجون جملة من المهمشين في قبال ممثلين ينعمون بانوار الاضاءة الاصطناعية ،  بل سيغدون اكثر حرية في صياغة مشهدهم ،  ينخرطون سويا مع الممثلين في اكتشاف مأزقهم المشترك ، وفهم واقعهم ، فثمة رهان على الوعي المتصاعد للمشاركين خلال مرحلة بناء العرض عبر تقنيات هذا المسرح.

 وفي رسالته التي خص بها اليوم العالمي للمسرح لهذا العام كان يستعيد هذه المعاني التي اجتهد على تبيانها في كتبه ومحاضراته ودوراته التي طاف بها دول العالم، كان يذكرنا بفاعليتنا في هذا المسرح الكبير، محرضاً إيانا على صنع التغيير، وكل ذلك من اجل ان نرى، لا بنحو النظر العابر للاشياء ،بل النظر الذي يجاوز مظاهر الاشياء الى جوهرها...فالمسرح في تعريفاته الاولية مرتبط بفعل النظر، وهو يحملنا على إعادة تأهيل هذا المعنى وتطويره ليصبح قريناً للقدرة على الكشف والتعرف على الحقائق المخبوءة في تفاصيل حياتنا اليومية.

 لم تغب السياسة عن رسالة بول الذي يرى في المسرح فناً وسلاحاً كما يورد في كتابه الأخير "جماليات المقهورين" ، لم تغب لأنها العنوان الأبرز للتجربة ، وهي الباعث على ولادة هذه الحساسية الفنية الجديدة في عالم المسرح ، والمحرض على انطلاقها في آفاق التغيير ومعالجة موضوعات المقهورين ، فعنوان التجربة وتاريخها مازال يستبطن السياسة ويشي بآثارها  في تحديد استراتيجيات التجربة وخياراتها التقنية، بدءاً من مسرح الجريدة وحتى المسرح التشريعي (Legislative Theatre) ، مرورا بنموذج المسرح المتخفي (Invisible Theatre) وحتى مسرح حلقة النقاش(Forum Theatre)، كاحد الاشارات الواضحة على تأثيرات المناخ السياسي في التجربة، فهي مدفوعة في الاغلب بتفاصيل هذا الواقع وما فيه من تداعيات الوعي السياسي.

أننا مدعوون من خلال رسالة بول الى اكتشاف بدائل لاشكال الصراع التي نحياها في واقع اليوم ، أن نكف عن ممارسة افعال الفرجة السالبة، وأن نتذكر دائما أن المسرح حياة ، وأن الحياة مسرحنا جميعا ، نصوغها كيف نشاء، ساعة نريد ذلك ، وساعة نؤمن أن التغيير ضرورة وإمكان معاً ، حتى يصبح المسرح هو الآخر اداة تغيير للواقع الحاضر، وعرضاً منذورا لصناعة مستقبل اكثر اشراقاً، فمسرح المقهورين أولا وأخيراً-كما وصف بول ذات حوار- هو بروفة من اجل الحقيقة..انه يعني بالتحديد الاعداد لمحاولة تغيير الواقع بدلا من  مراقبته والتفرج عليه.

أثير السادة 

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية