مسرح المقهورين تجربة تفترق عن سواها من التجارب المسرحية باصرارها على اكتشاف الجوهر الاجتماعي والبيداغوجي والجمالي في آن معا لهذا الفعل الابداعي الذي استقر على صورة التقسيمات المألوفة بين عارضين ومتفرجين ، بين منصة عرض وصالة جمهور، بين ماض وحاضر، فيما ينشغل هذا المسرح في تكوينه الخاص بتأسيس علاقة شراكة جديدة ، شكلا من اشكال الاندماج بين الاثنين لأجل دفع المسرح ، وكذا الإنسان الى وظيفته الارقى وهي التغيير، تغيير الواقع، وليس التماهي معه كما ينشد المسرح السائد بتقاليده العتيدة. كان رائد التجربة اوغستو بول يرى في اشكال الفصل التي يتأسس عليها الفضاء الجمالي للمسرح التقليدي أكثر من مجرد تقسيم مكاني ومعماري، هو عزل للناس عن دائرة الفعل، عن ممارسة التغيير، عن ان يكونوا ناظرين ومنظورين في آن، ومسرح المقهورين يدفع باتجاه جعل المسرح مرآة تمكننا من التدخل لتعديل صورنا لا مجرد النظر اليها..خلاصة التجربة كانت في العمل على بناء تلك الصور وتركيبها، ترتيبها وابدالها، فالمقهورين بحسب بول يعمدون الى خلق صور عن واقعهم وثم يباشرون العيش في تلك الصور ، والمطلوب معاونة اولئك على التخلص من تلك الصور التي تطوق تفكيرهم، واحلامهم، وحياتهم، وتنتصب كمكرسات لحالات القهر. من هنا سعى الى اخراج المتفرجين من البقاء على هامش الفعل الى حيز الفعل الحقيقي، من خلال صيغة حلقة النقاش (مسرح المنتدى) التي عززت التشابك بين الممثلين والمتفرجين في انتاج العرض ، فالمسرح برأيه هو نحن ، لاننا جميعا ممثلون، ولأن المسرح ليس بحاجة الى جمهور ومنصة ، بل الى مؤدٍ ليكون قائما وموجودا.. وبهذا لن يكون المتفرجون جملة من المهمشين في قبال ممثلين ينعمون بانوار الاضاءة الاصطناعية ، بل سيغدون اكثر حرية في صياغة مشهدهم ، ينخرطون سويا مع الممثلين في اكتشاف مأزقهم المشترك ، وفهم واقعهم ، فثمة رهان على الوعي المتصاعد للمشاركين خلال مرحلة بناء العرض عبر تقنيات هذا المسرح. أننا مدعوون من خلال رسالة بول الى اكتشاف بدائل لاشكال الصراع التي نحياها في واقع اليوم ، أن نكف عن ممارسة افعال الفرجة السالبة، وأن نتذكر دائما أن المسرح حياة ، وأن الحياة مسرحنا جميعا ، نصوغها كيف نشاء، ساعة نريد ذلك ، وساعة نؤمن أن التغيير ضرورة وإمكان معاً ، حتى يصبح المسرح هو الآخر اداة تغيير للواقع الحاضر، وعرضاً منذورا لصناعة مستقبل اكثر اشراقاً، فمسرح المقهورين أولا وأخيراً-كما وصف بول ذات حوار- هو بروفة من اجل الحقيقة..انه يعني بالتحديد الاعداد لمحاولة تغيير الواقع بدلا من مراقبته والتفرج عليه.![]()
السبت, 14 مارس, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








