لا يحتاج مثلي إلى التفتيش عن ذريعة لارتباطه بالعراق، فتلك الساحات المفروشة بالدموع التي شاطرتنا فصول الذكريات تكفي لجعل هذا البلد الحزين قبلة للمشاعر، للافكار، لكل الخطوات المتعثرة في اتجاهات الحياة. وإذا كان لا وطن للشمعة خارج ظلامها كما يقول عدنان الصائغ ، فإن من المؤكد أن لا وطن للدمعة خارج العراق ، فالعراق وطن الدموع ، لذلك يستحيل الوجع الكربلائي الغافي على أرصفتنا إلى شبابيك مفتوحة على اتساع ذلك الوطن، نتهجى صوره، وحروفه، نقبل فيه كل ركن يفيض بأحلام العابرين إلى البياض، وإلى القبب والمزارات التي تختصر أحلام أمهاتنا. وجدت العراق في كل شيء، في اسمي الذي اختطفه والدي من ضجيج الاذاعة ذات تمثيلية اذاعية عراقية، في قراءاتي، في اهتماماتي، في أغان الفرح والحزن ، وفي الممنوع والمباح من الأشياء، والأفكار، والأسماء، أستعيد كل ذلك لأقول أن افتراشي الطويل على باب المسرح العراقي ورجالاته طلبا للمعرفة لم يكن انفتاحا فقط على تجربة مهمة ولافتة على رقعة الوطن العربي، ولكنه يمثل لي اتصالا حميما بمكان كانت تصحبني كل تفاصيله منذ لحظات الطفولة وحتى اشتداد العود. قرأت للكثيرين في مسرح العراق قبل أن أعرفهم ، قرأت عنهم وهم يعبرون بأسئلة المسرح الحديث إلى منتهاها، استوقفني الكثير في شوط معرفي لم يكتمل، الكثير من الاسماء اللامعة ، رحت أبحث عنها في المكتبات ومتاهات النت، فكانت تلك القراءة بمثابة الحصانة ضد التصاوير الخاوية للمسرح ، ضد الخراب الذي يسوغ تحت يافطة الحلم ، كانت كافية لأبعد معها بمسافة على مستوى التذوق والنقد ، وعلى مستوى التطلعات حتى. قاسم محمد وسيرة النخلة والجيران هو أحد أولئك ..بل هو أول اولئك الذين خاطوا حكاياتهم المسرحية في هذه السيرة..كل الدراسات يومها كانت ترشدني اليه..كل الطرق كانت تؤدي اليه..كأحد المحطات البارزة في مشوار المسرح العراقي...تعثرت بإسمه مرارا وأنا أتجاوز السطور من تلك الصفحات... يحدث أن نلتقي على طاولة الملتقى المسرحي الخليجي الأول بالشارقة ...انكمشت كثيراً أمام حضوره الاسطوري في ذاكرتي...لكنه كان يعيد بتواضعه ترتيب هذه الصورة..يعفيني من التكلف بانفتاحه واصغائه لشاب لا زال يتهجى دروسه الأولى في النقد...مر الحديث يومها من أمام موضوعة مسرحة عاشوراء، حرصت على مد يدي على طاولة الحديث لأفتح النقاش أوسع بهذا الاتجاه...كان سعد الجزاف من البحرين يستعرض صوراً من التجارب الاولى للمسرح في البحرين...انقطع الحديث في الجلسة عن النقاش في تلك الموضوعة...لكنه استمر بعدها بيني وبين عدد من المشاركين...بوول شاؤول وعبدالاله عبدالقادر وقاسم محمد وآخرون. حدثني قاسم عن نصه المكتوب على هامش سيرة كربلاء "مساء التأمل"..نص من سبعينيات الرجل يجمع بين الحلاج وغيفارا والحسين...تمنيت عليه أن أحصل على نسخة منه ، وكان لي ما أردت، في وقت كنت مشغولا بالبحث عن نصوص في ذات الاتجاه...وقد عمد الصديق عباس الحايك إلى اعادة كتابة النص لينشر في شبكة الانترنت ايذانا باعادة الحياة اليه بعد غيابه الطويل في الارشيف. كانت تلك سيرة اللقاء الأول ، وفي سيرة اللقاء الأخير سنكون سوياً في حضرة فريد الدين العطار ومنطق الطير..جمعني به المهرجان المسرحي الخليجي الذي اقيم في البحرين قبل ثلاثة أعوام..كانت القاعة مكتضة بالحضور ..فيما كان قاسم ضوءاً خافتا لا يدركه أحد في ذلك الاحتشاد..حدثني طويلاً عن هيامه القديم ببيتر بروك، وعن أمانيه في أيام شبابه بلقاء ذلك الرجل..كان حميميا وهو يصف مشوار علاقته بمسرح بروك ومتابعاته لعروضه وأخباره، وكان أكثر ما توقف عنده هو منطق الطير...كتاباته ونصوصه لا تخفي ذلك الحس المتصوف عنده..لذلك تحدث بحرص عن منطق الطير، الكتاب الذي ألفه الصوفي الكبير فريد الدين العطار وكان يعد حلة ادبية فريدة في الادب الفارسي. مضت تلك الأيام ولم أتمكن سوى بالأمس من الحصول على هذا الكتاب.. نظرت اليه وابتسمت ..كان مغطى بالتراب في زحام مكتبة المتنبى بالدمام..لم يمر من امامه أحد..أو ربما لم يعرف بوجوده أحد..اقتنيته وأنا اتطلع لكي أرى روح قاسم محمد في سطوره...حالماً بلقاء آخر نكمل فيه منطق الطير...وحكايا الوالهين والغارقين في وادي العشق...الا أن قاسم سلك في دروب المنهمكين في نوم طويل...اشتاق إلى النهاية...تاركاً الكثير من اسئلته للطيور الأخرى في موقد الهموم. أثير السادة![]()
الاحد, 12 ابريل, 2009
<<الصفحة الرئيسية








