انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

أنا ووزير الخارجية والمواطنة!

 
 

 

آخر مرة سافرت فيها بالقطار صحبني فيها وزير خارجيتنا الأمير سعود الفيصل، كنت عائدا من الرياض في زيارة تاريخية ، وتاريخيه هنا لأنها لا تحدث إلا مرة كل خمس أوربما عشر سنوات، أخترت أن أجرب هذا القطار الذي كثيراً ما نسمع عنه ولا نحظى بركوبه، نراه ولا نعرف ما فيه ومن فيه، اقتطعت تذكرة على درجة رحاب وهناك صادف أن رأيت الأمير على صفحات مجلة الدبلوماسي التي تمنح مجاناً لاولئك المسافرين الذين لا يجدون ضراً أن يدفعوا الكثير لينالوا بضع سنتيمترات زيادة تفصلهم عن الآخرين.

 

لم يكن لي سابق عهد بالمجلة، لذلك حرصت على مطالعتها من الجلدة الى الجلدة كما يقال، بدت مجلة أنيقة في تبويباتها وألوانها وكل أفعال التنسيق التي كانت كافية لحمل القارئ على الاستمرار في تقليب صفحاتها..وجدت الأمير مشغولا بكتابة افتتاحية المجلة التي عرفت بعد طي الصفحة أنها تتبع وزراته مباشرة..كان ذلك في منتصف شهر مارس من العام الماضي وكان الحديث منصبا على مسئولية المجتمع الدولي الاخلاقية في الوقوف مع الشعب الفلسطيني ودعمه لنيل السلام مذكرا بعطايانا السخية وصناديقنا المفتوحة لأجل تنمية هذا الشعب.

 

غادر الأمير مع انتهاء سطور الافتتاحية، وهناك بدأت فواصل من عناوين اخبارية سريعة، تبعتها ملفات ودراسات ومطالعات لا تخلو من الجدة والرصانة..الفلسفة والسياسة بين الفارابي وهيجل..الارهاب الرقمي..الأجندة السياسية لتغيير المناخ العالمي..التغيرات المناخية هل تصبح سببا للنزاعات السياسية..وأحاديث اخرى متنوعة تقترب من اجواء الادب كهواجس التعريب وحوار مع ابن المبارك شاعر هجر وتعرض لقضايا التربية ايضا.

 

ما شغلني طيلة الوقت في هذا المشوار الطويل هو دراسة عن تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي..ربما لن أجد حماسة لمطالعتها لولا الرغبة في تصريف الوقت..فصحافتنا المبجلة لم تبرح تتحدث عن المواطنة وتربطها بكل شيء...مثلها مثل الهوية..العولمة ....وباقي طلاسم المشهد الاعلامي عندنا...سيصبح كثرة الحديث عن المواطنة سببا في اضاعتها بين القبائل، فهي سفينة نوح كما يريد لها سليمان عبدالمنعم، وهي درس نقرأه في دفاتر الجنادرية على ما تقترح ثريا العريض، وهي المشاعر الفائضة للمواطن في العيد الوطني كما يحلم شتيوي الغيثي، وهي نقد السائد كأرقى صورها بمثل ما يقرر عبدالعزيز الصاعدي ، وهي المساواة التامة بين المواطنين كما ينظر يوسف مكي، وهي ايمان بالتعدد والشراكة كما في قول يحي الأمير، وهي المفاعلة والمشاركة في بناء الوطن كما عند سعود البلوي، وووو...هذه جردة حفنة روابط الكترونية وعليكم باقي الحساب.

 

في مجلة الدبلوماسي كانت الدراسة المزبورة أكثر رصانة واكثر دقة ...دراسة لا كاتب لها، لكنها ذهبت بعيداً في التفتيش عن تمددات هذا المفهوم افقياً وعمودياً..همس الكاتب المجهول في أذني بصراحة حين قال: "ليس هنالك مجتمع مدني دون مواطنة، ولا مواطنة دون ديمقراطية حقيقية، ولا ديمقراطية حقيقية دون مواطنين بمعنى الكلمة، يمارسون وينظمون على اساسها علاقاتهم مع بعضهم بعضا من جهة، وعلاقاتهم مع الدولة من جهة أخرى"..تلفت يمينا ويسارا وتنفست بعمق وأنا اتهجى العبارات مرة بعد أخرى...تمنيت لو أن الأمير كان موجوداً معي في هذه الصفحة لاقترح عليه نقل خدمات المجلة من  وزارة الخارجية الى وزارة الداخلية...

 

تابعت القراءة..وصاحبنا الكاتب المجهول مازال يصف أحوال المواطنة في الفكر الغربي، ويتحدث عن المشوار الشاق الذي مر به المفهوم قبل ان يتبلور في صورته النهائية، وفي خاتمة الدراسة وضع سلماً للقراء ...يحددون من خلاله موقعهم من خارطة المواطنة...ذكرنا بأن هنالك مستويات من المواطنة..يعني اشياء تشبه درجات القطار السعودي..وهي تختلف باختلاف اشكال ممارسة السلطة..سأسرد لكم درجات السلم التي تختصر مفهوم المواطنة عملياً من عند صاحبنا الكاتب الذي لا يخفي نكده من النطنطة بين تلك السلالم لدى الانظمة الديكتاتورية

 

1-  المستوى الاول: سلطة بقرار فردي

2-  المستوى الثاني: اعلام الجمهور بالقرار دون أخذ رأيهم

3-  المستوى الثالث :اسشارة الجمهور دون الأخذ برأيهم

4-  المستوى الرابع: استشارتهم والاخذ برأيهم

5-  المستوى الخامس: اشراكهم في مواجهة القضايا وحل المشاكل

6-  السادس: وجود سلطة اتخاذ القرار في يد عامة المواطنين وفق آليات الديمقراطية

 

 

وكما يجري في استفتاءات الفيس بوك وامتحانات الشخصية التي يبتكروها مرتادوه، يمكننا ان نختبر صورة الوطن على سلم المواطنة..ونحدد أي صورة يشبه...طبعا لن تكون صورة الوطن مقاس 6*4 كما يؤكد صالح الشيحي، لكن حتما هي صورة ملونة من اي مقاس كانت!

 

والسلام

 

 

 

 

 

 

(0) تعليقات

بخاخ فنتلين لانعاش الحرية الصحفية

 

قبل ما يربو على عشر سنوات  كان الصحافي السعودي داوود الشريان يتحدث من على منبر جمعية الثقافة والفنون بالدمام عن أحوال الصحافة فسأله احدهم عن رأيه في مبادرة قطر لالغاء الرقيب الاعلامي في مطلع 1996 وكان جوابه الذكي آنذاك...أننا لا نملك رقيباً من الأصل حتى نلغيه!، وقتها صفق الجمهور بحرارة عالية لأننا أحسن حالاً من قطر.

في نهاية العام الماضي جعلت منظمة "مراسلون بلا حدود" السعودية على الطرف الأخير من سلم الحرية بترتيب هو 161 من اصل 173 دولة دخلت تحت هذا التصنيف وهذا يعني أننا  في قاع المحيط وقد نحتاج الى رافعة لانتشالنا من جحيم الهاوية، فنحن أفضل حالاً فقط من الانظمة الشيوعية وأيران وارتيريا التي شاءت ان تركن الى ذيل القائمة.

لسنا نزلاء في جهنم ولله الحمد كما يورد التقرير، لأن جهنم تبدأ من تركمانستان وكوريا الشمالية وواريتريا سالفة الذكر ، غير أن عافية الصحافة في هذا الوطن بحاجة الى مضادات حيوية، الى بكتيريا نافعة تضمن للمواطن حصته من كبسولات الاحتجاج.

تقرير منظمة بيت الحرية أو فريدوم هاوس الصادر قبل يومين لا يختلف كثيرا عن التقرير المذكور آنفاً، فنحن نسكن في الطابق رقم 175 من بناية الحرية المكونة من 195 دولة، والتقرير يشير الى ان التدهور سمة بارزة في كل قارات العالم ، هناك تراجع في حرية الكلمة رغم اتساع الفضاء وتعدد الوسائل والادوات للتعبير.

واليوم حيث يصادف اليوم العالمي لحرية الصحافة لا نجد من ينشغل في صحافتنا الكريمة بالتذكير بهذه التقارير ، وما تعنيه ، وما يلزم أن يصار اليه لمعالجة واقع الحريات الصحافية، ليس هنالك في صحف اليوم من تعليقات او مقالات او تحقيقات بهذا الخصوص، وكأن يوم الصحافة لا يعني أهلها، فقط جريدة الجزيرة حضرت جيدا لهذا اليوم بافتتاحية رئيس تحريرها التي اشارت في العنوان الى المناسبة وفي المضمون تحدثت عن احتفالية اليونسكو في الدوحة باليوم العالمي لحرية الصحافة وكيف أن محور الاحتفالية مأخوذ عن مبادرة الملك عبدالله لتعزيز العلاقة بين الشعوب!.

حتى الاندية الادبية وجمعيات الثقافة وجدت نفسها غير معنية بالاحتفال او حتى الحديث في أمر الصحافة ، في حين اختار النادي الادبي بالاحساء ان يقدم لنا عوضا عن ذلك ندوة عن الامن الفكري لعميد كلية التدريب بجامعة الامير نايف للعلوم الامنية، والامن الفكري ملعب كبير يسع كل شيء ، وله قابلية ابتلاع كل شيء، وربما كان مظلة في معظم الاحيان لتكميم الافواه، ومصادرة الافكار.

ليس في الوارد طبعا ان يعمد رئيس تحرير صحيفة سعودية الى الدعوة للتعاطي بجدية مع تقارير تلك المنظمات الدولية كما فعل رئيس تحرير الوسط البحرينية ، فرئيس التحرير أول متهم بحسب تلك التقارير لأنه يحول دون نشر ما لا يتوافق مع النظام الرسمي، لكننا كنا بانتظار بيان لهيئة الصحفيين السعوديين تذكرنا بتطلعاتها، وبحقوق المهنة ومزاوليها، ولو على طريقة جمعية الصحفيين في الكويت التي حمدت لله في بيانها على ما هي عليه من النعمة رغم انها بحسب التصنيفات المعلنة لازالت بحاجة الى عمليات قسطرة!.

صحافتنا المحلية بحاجة الى توسيع الشعب الهوائية لتتنفس بارتياح ، الى فنتلين يسمح بدخول المزيد من الهواء اليها، زهيقا وزفيرا، حتى لا تستمر مشاكل الربو تحاصر عملية التنفس ، فحرية الصحافة كالهواء لا غنى للصحافة عنها، ودونها ليس هنالك سوى احتمالات الموت بالذبحة الصدرية والسلام.

 

أثير السادة

 

 

(1) تعليقات

اسمي..وطني المنسي في اتساع الماء

 

ورقة واحدة من روزنامة العمر تكفي لإختصار أول خطوة باتجاه الحياة، كان أبي يومها يبحث عن إسم لمولوده الرابع، تتسع قوائم الاسماء وتضيق ، لكنها من المؤكد لا تشتهي الخروج خارج الأسوار، ذاكرة العائلة ..ذاكرة المكان...كلاهما شريك في صناعة الاسماء عندنا..بين علي وعباس ومحمد وأحمد وحسن وحسين تتزاحم الوجوه والأنساب...سيضاف اليها عدنان وهاشم وعلوي وحيدر إذا ماكنت متصلاً في امتدادك بالبيت النبوي...الأسماء للتمييز، لكن هذا ليس كل شيء، فالأسماء ساحة للسياسة ايضا، للدين ، للوجاهة، لكل المدافع الثقيلة التي لا تهدأ في اجتماع الناس، لذلك يفر الناس في مدننا المسكونة بهواجس الانتماء الى تلك الأسماء دون سواها، وينأون عن تلك الاسماء المثقلة بأوجاع التاريخ .

كنت بلا إسم ساعة الولادة..كانت أمي تنظر لي كحكاية لم تبدأ بعد...ربما كانت ترسم أحلاماً لأبن يشبه العباس..القاسم...السجاد...يشبه ذاكرة المآتم التي يأخذها الحنين اليها ساعة التعب...لكن الأب وحده معني بتعميد إبنه الجديد..كان منكباً في تفقد الاذاعات من مذياع سيارته وهو يقطع الطريق الى المشفى..نصف الطريق اغان وأخبار وحكايات وبعض هواجس والنصف الآخر دفاتر يقلبها في رأسه بحثاً عن حروف يهبها هذا الوافد لعالم النسيان.

ما كان أبي شاعراً لكنه كان يقرأ...ولم يكن كاتباً...لكنه يحسن الخط...لذلك لم يكن في الوارد أن يبحث في أمهات الكتب  والمعاجم وبديع اللغة عن إسم من خارج الزمان والمكان ...سبق أن اختار لأخي الاكبر إسم خليل جرياً على العادة في تسمية الاكبر من أبناء ابراهيم بخليل استذكاراً لذلك النبي العظيم..وجاء الثاني بعده حاملاً اسم زكريا، وهو إسم نبي أيضاً، فيما أختي ، الثالثة في الترتيب، أختاروا لها أن تكون سمية، امتناناً لأم عمار التي شاحت بوجهها عن وعود الجاهلية فكانت أول شهيدة في تاريخنا، ولعمار الذي سيعرف في ذاكرتنا كأحد الحواريين للإمام علي، وأكثرهم نبلاً وبأساً ساعة الشدة.

أنا الرابض في القماط مذعورا أتوسل دمعي في مواجهة النور ، لم أكن على موعد مع الأنبياء في تلك الساعة، ولا الأولياء والصالحين، فقد اختار والدي أن يضعني في صفحة أخرى ، كأنها الوطن المنسي في اتساع الماء، أسم سيخبئ الحظ والتاريخ والاصدقاء خلف مراياه، سيحملني الى منطقة تصل بين الذكورة والانوثة حتى أعبر بها مراراً فوق جسور الالتباس..

ها هو مؤشر المذياع يستكمل خطواته على خارطة الاذاعات..في خطوه نصلٌ كافٍ لقطع الحيرة واختصار الدقائق الضائعة في مطاردة الاسماء والحروف في الذاكرة...سيقترح المذياع إسمي، بيتي الأول، صور الليل، جسور المعرفة،  وباقي هواياتي القادمة ..أثير...أثير...يمر الأسم سريعاً أمام الأب الغارق في فنجان الصباح  وسرعان ما سيُكتب من دون حبر المطابع...من ثقب تمثيلية اذاعية عراقية هبط الإسم ليرسم معالم الدرب الطويل...

أفتح عيني ثانية.. أتجرأ للنظر في وجه جديد آخر...أنسى كل الصور التي عرفتها خلف زجاج الرحم الأول..أحضر نفسي للاختباء خلف عباءة أمي..وإسم ابي ..إسم واحد يكفي لتصبح أنت أنت...عليك أن تحب اسمك أولاً...قبل ان تخفق بحب الآخرين..قلبك بستان للأسماء..يتحرق لمزيد من الازهار فيه...يد تهدهدني ...أثير...قالت أمي وهي تحاول أن تزرعني " حرفاً مفتوناً فوق سحابةِ ضوءٍ"..أثير...قال أبي وهو يوشوش في أذني...مسكون بالفرح لهذا الإسم المنثور في أثير الاذاعة..يرسم في رأسه لوحات لرجل مذخور لزمن الشدات..لطفل يبحث عن دميته..شاب يتسكع بين احلامه...وأنا مازلت أحلم أن أكون مطراً في سمائهما.

 

أثير السادة

(3) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية