انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

اسمي..وطني المنسي في اتساع الماء

 

ورقة واحدة من روزنامة العمر تكفي لإختصار أول خطوة باتجاه الحياة، كان أبي يومها يبحث عن إسم لمولوده الرابع، تتسع قوائم الاسماء وتضيق ، لكنها من المؤكد لا تشتهي الخروج خارج الأسوار، ذاكرة العائلة ..ذاكرة المكان...كلاهما شريك في صناعة الاسماء عندنا..بين علي وعباس ومحمد وأحمد وحسن وحسين تتزاحم الوجوه والأنساب...سيضاف اليها عدنان وهاشم وعلوي وحيدر إذا ماكنت متصلاً في امتدادك بالبيت النبوي...الأسماء للتمييز، لكن هذا ليس كل شيء، فالأسماء ساحة للسياسة ايضا، للدين ، للوجاهة، لكل المدافع الثقيلة التي لا تهدأ في اجتماع الناس، لذلك يفر الناس في مدننا المسكونة بهواجس الانتماء الى تلك الأسماء دون سواها، وينأون عن تلك الاسماء المثقلة بأوجاع التاريخ .

كنت بلا إسم ساعة الولادة..كانت أمي تنظر لي كحكاية لم تبدأ بعد...ربما كانت ترسم أحلاماً لأبن يشبه العباس..القاسم...السجاد...يشبه ذاكرة المآتم التي يأخذها الحنين اليها ساعة التعب...لكن الأب وحده معني بتعميد إبنه الجديد..كان منكباً في تفقد الاذاعات من مذياع سيارته وهو يقطع الطريق الى المشفى..نصف الطريق اغان وأخبار وحكايات وبعض هواجس والنصف الآخر دفاتر يقلبها في رأسه بحثاً عن حروف يهبها هذا الوافد لعالم النسيان.

ما كان أبي شاعراً لكنه كان يقرأ...ولم يكن كاتباً...لكنه يحسن الخط...لذلك لم يكن في الوارد أن يبحث في أمهات الكتب  والمعاجم وبديع اللغة عن إسم من خارج الزمان والمكان ...سبق أن اختار لأخي الاكبر إسم خليل جرياً على العادة في تسمية الاكبر من أبناء ابراهيم بخليل استذكاراً لذلك النبي العظيم..وجاء الثاني بعده حاملاً اسم زكريا، وهو إسم نبي أيضاً، فيما أختي ، الثالثة في الترتيب، أختاروا لها أن تكون سمية، امتناناً لأم عمار التي شاحت بوجهها عن وعود الجاهلية فكانت أول شهيدة في تاريخنا، ولعمار الذي سيعرف في ذاكرتنا كأحد الحواريين للإمام علي، وأكثرهم نبلاً وبأساً ساعة الشدة.

أنا الرابض في القماط مذعورا أتوسل دمعي في مواجهة النور ، لم أكن على موعد مع الأنبياء في تلك الساعة، ولا الأولياء والصالحين، فقد اختار والدي أن يضعني في صفحة أخرى ، كأنها الوطن المنسي في اتساع الماء، أسم سيخبئ الحظ والتاريخ والاصدقاء خلف مراياه، سيحملني الى منطقة تصل بين الذكورة والانوثة حتى أعبر بها مراراً فوق جسور الالتباس..

ها هو مؤشر المذياع يستكمل خطواته على خارطة الاذاعات..في خطوه نصلٌ كافٍ لقطع الحيرة واختصار الدقائق الضائعة في مطاردة الاسماء والحروف في الذاكرة...سيقترح المذياع إسمي، بيتي الأول، صور الليل، جسور المعرفة،  وباقي هواياتي القادمة ..أثير...أثير...يمر الأسم سريعاً أمام الأب الغارق في فنجان الصباح  وسرعان ما سيُكتب من دون حبر المطابع...من ثقب تمثيلية اذاعية عراقية هبط الإسم ليرسم معالم الدرب الطويل...

أفتح عيني ثانية.. أتجرأ للنظر في وجه جديد آخر...أنسى كل الصور التي عرفتها خلف زجاج الرحم الأول..أحضر نفسي للاختباء خلف عباءة أمي..وإسم ابي ..إسم واحد يكفي لتصبح أنت أنت...عليك أن تحب اسمك أولاً...قبل ان تخفق بحب الآخرين..قلبك بستان للأسماء..يتحرق لمزيد من الازهار فيه...يد تهدهدني ...أثير...قالت أمي وهي تحاول أن تزرعني " حرفاً مفتوناً فوق سحابةِ ضوءٍ"..أثير...قال أبي وهو يوشوش في أذني...مسكون بالفرح لهذا الإسم المنثور في أثير الاذاعة..يرسم في رأسه لوحات لرجل مذخور لزمن الشدات..لطفل يبحث عن دميته..شاب يتسكع بين احلامه...وأنا مازلت أحلم أن أكون مطراً في سمائهما.

 

أثير السادة

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 06 مايو, 2009 07:13 ص , من قبل سؤال
من المملكة العربية السعودية

الاسامي كلام .. عنينا هن اسامينا

ذكرتني حكايتك مع اسمك بحكاية صابرين الممثلة المصرية . اختار لها ابوها الاسم حين سمع يحيي شاهين ينادى ماجدة في فلم هذا الرجل احبه صابرين صابرين.. ل
للاباء حالات في اختيار الاسماء . ولنا حالات في تقبل وحب اسمائنا . بالامس القريب تبدي امي ندما رقيقا لاختيارها اسمي وتتمنى لو انها اسمتني باحد اسماء العترة. مع اني لم انزعج يوما من اسمي بل العكس احبه. ومع اتشرف لو حملت اسما من اسماء ال البيت عليهم السلام . الا اني شعرت دائما بالرضا لقلة المشاركين لي في الاسم .

هل اذيع سرا اذا قلت ان اسم اثير الذي تحمله احد قريباتي ونختصر به اسم قريبة اخرى هو ما شدني للدخول وراء ظلك الجالس على السطر .

اعود لفيروز التي تصر ان الاسامي كلام - و انا تعودت ان اصدق كل ما تقوله لي هذه الفيروز . هذا (الاسم) الكلام الجميل يصنع منا شيئا ويترك اثرا في طينتنا . هل كان اثير سيصبح الغيث الذي هو عليه اليوم وهل سيكون المطر الذي ينشد ان يكونه لو لم تحمله الموجه عبرالاثير الينا بهذا الكلام الجميل.


اضيف في 06 مايو, 2009 09:12 ص , من قبل atheer93
من المملكة العربية السعودية


خلف كل اسم حكاية..وأمامه ألف صورة...عليها الكثير من غبار الزمن الذي يحياه

شكرا للمرورو والتعليق


اضيف في 20 نوفمبر, 2009 08:04 ص , من قبل happynesswillbewithyou
من المملكة العربية السعودية

^_^

من أجمل ماقرأت لك
ينبوعك عذب (:

**




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية