تبدو صغيرة بين يديك..تقلبها..تحرك مفاتيحها وكأنك تقلب في دفاتر التاريخ لهذا الجهاز الذي روض خيوط الضوء وجعل من استعادة لحظة هاربة في سياق الزمن أمراً ممكناً عبر صورة مربعة يتربع فيها اللون والظل وتكوينات الخطوط والاشكال. كانوا يصفونها بالصورة الساكنة، تمييزاً لها عن الصورة المتحركة ..غير أن هذا السكون لم يكن يوماً ما قدراً للصورة الفوتوغرافية، كانت دائما أقرب للحركة منها الى السكون، أقرب الى التحول منها الى الثبات، حركة لجهة انفتاحها ومرونتها، تبدل أشكال حضورها ووظائفها، بات كل شيء ذي صلة بالصورة الفوتوغرافية أدعى للتغير والتحول. هذه الصورة المأخوذة عن الواقع كانت صورة عن أحلام الانسان في ذات الوقت، أن يعاد توثيق الواقع بتفاصيله وتخزين تلك الثواني في سجلات للاجيال القادمة يعني أن يعيش الإنسان على تخوم الذاكرة، أن ينتقل اليها عبر معطيات الصورة الفوتوغرافية، هي الظلمة التي تستحيل ألوانا للرؤية وسطوحا للتذكر الطويل، إنها المعرفة في صيغتها الأحدث حيث تشكلت معها ثقافتنا البصرية. ما كان محسوباً على التفاعلات الكيميائية في الغرف المظلمة ترك تاريخه الطويل ليستقر في روزمة بكسلات قابلة للتحريك، طبقات متكاثرة قابلة للمحو و الاضافة، بعد أن دخل زمن البرامج الناعمة التي جعلت من تحولات الصورة شأناً لازماً، أو لنقل قدراً قائماً، فهي تقدم للصورة الفوتوغرافية حيوات متعددة بتعدد احتمالات التعديل في الصورة الأصل. هذا التحول الدائم في موقع الصورة لازمه تحول في طرق إدراكها وتفسيرها، تأويلها وتقييمها، لم تعرف الصورة الفوتوغرافية اجتهادات نقدية وتنظيرية بالمقدار الذي عرفته الفنون والآداب الاخرى غير أنها وباتساع دائرة الصورة وانماطها عبر قنوات الميديا الحديثة جلبت اليها الكثير من الضوء الذي مازال يجد في المسير باتجاه تأطير هذه الاشكال الفنية المستجدة باطر نظرية تساعد في سبر معانيها والكشف عن مبانيها. في هذا الحراك الطويل بدلت الصورة الفوتوغرافية موقعها في معركة الانتساب الى الفن، لا يمكن لأحد ان يرجع الحال الى نقطة السجال الاولى حول اهلية هذا النمط من التعبير للحاق بركب الفنون الجميلة، فقد ذهب التصوير أبعد من ذلك، أذ اصبح ملهماً لكثير من الفنون، وسببا في نشوء تجارب واتجاهات فنية أخرى، بل بدل أنماط ادراكنا لكل ما هو بصري، فكانت الصورة الفوتغرافية حافزًا لولادة عين قلقة متساءلة عن معنى النظر الى الاشياء، عن البعد التمثيلي في بنية الصورة الثابتة والمتحركة على السواء، لذلك انزاحت الصورة عن موقع التمثيل الايقوني الى ناحية التمثيل الاشاري في الدراسات الالسنية اللاحقة تدليلا على تحولات الفهم لهذا المعطى البصري الذي يحدث بنحو ميكانيكي بيد أنه ممتلئ بروح الإنسان وبصماته. لقد غدت نصاً مفتوحا على شهوة التأويل وانعاكسات الوعي الذاتي، فضاءاً اخضباً للحوار بين عين الرائي وسياقات الحدث الفني، فثمة مساحة متوارية خلف المرئي تجاوز حدود التأطير، ما يجعل من مهمة تأويل المعنى عملية استكشاف مستمرة فهي لا تكتفي ببعد ظاهر واحد وإنما تلامس عوالم الصورة التي تعيش حيوات متعددة بتعدد سياقاتها. وهكذا فإنه بين الصورة الكيميائية والصورة الرقمية ثمة تحولات جمالية وثقافية ومعرفية تؤكد تمدد الصورة في اتساع المشهد الإنساني، واتصالها بهاجس هذا الانسان واسئلته، كما تؤكد ديمومة التحول في مؤشرات الصورة على مختلف الاصعدة، وأنها على الدوام الأقرب الى الحلم منها الى الواقع، والى الشك منها الى اليقين، وأننا موعودون دائما بتعريف جديد لهذا الشيء الفريد والساحر. أثير السادة
السبت, 25 يوليو, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








