انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

رائحة مفعمة بالمكان

 
بين الأزقة القديمة في الخويلدية كانت الشمس تسرح شعرها قبيل الغروب، تترك على شرفات البيوتات العتيقة ضحكاتها التي تشبه الظل، كنت وقتها ككل العصافير أخلق موعداً على كل غصن رطيب، أمني النفس بندى الذكريات التي لم أبتل بها طويلاً، بنشوة لم تورق لها الروح دائماً، أحمل في داخلي مجاديف السابحين لاكتشاف مكان هو كالمنسي في سفر النوارس، مكان لا يكشف إلا بمقدار ما يكتم من سيرته الأولى.

الطريق إلى داخل الازقة ضياع محتمل، خطاي الرتيبة لن تكفي لمشاكسة الدروب الضيقة، تتكاثر الدروب بلا نهاية وأنا ابحث ورفيقي منير عن طرف آخر للزقاق، من يمنح هذه الأزقة عناوينها، اتساءل وأنا اتسكع بين البيوتات الصغيرة التي تتمسح بالماضي لتحيا، نوافذها الرفيعة في شوق دائم لمنادمة آخر خيوط الشمس، للريح التي تستريح على باب الزقاق قبل أن تتناثر على وجوه المكان.

ستجئ النسائم في الزقاق محملة بأغاني الحزن والفرح، بدموع اللاطمات على الشهيد في صومعة الوجع، بأنوار الزينة التي تشبه حبل الغسيل لاحزان الحي، تلملم النسوة عباءتهن كل مساء لتقرأ الملاية عليها دواوين مكتوبة بخط اليد لسيدة الماء، لأم المصائب، وأم البنين، فيما ينفض الرجال بقايا التعب في زوايا الدكاكين، يكتبون على الدكة شكواهم من اتساع المدينة، كشكوى الحمائم من بنادق المتربصين في اتساع النخيل.

الرائحة هي دليل العابرين، تعرف سحنة الساكنين من نشيد القرنفل الذي يفيض بأسرار اطباقنا، بهجة الليمون العماني ساعة يطوق الأنوف، كانت البيوت روائح تحاور بعضها، تمطرنا بفرح الأطفال الصائمين ساعة الإفطار، باسطين كل أمنياتهم على اطراف الحمرة المشرقية، شممت هناك حبات الرز في مشاخيلها، رائحة استفاقت لها كل أواني الصبا، وصورة طفل يتعجل في اكتشاف الطعام، ينادم كل الروائح التي تشبه تعب الأمهات. ستختصر تلك الروائح لون الأواني التي ترحل كل مساء بين البيوتات في رمضان، ومعها وجه طفلة تحمل أوانيها و خطواتها باتجاه بيوت الجيران.

نحيلاً يبدو الزقاق الذي تهت فيه مرات، لكنه ممتلئ بالبيوت المتراصة، بالأسرار المؤجلة لزائر مجهول، بالأبواب العتيقة، بالأطفال الذين يكتبون سطور ذكرياتهم في الممرات، بالعربانات التي تمثل السبيل الوحيد لنقل الأغراض حيث لا كراجات ولامواقف سيارات، كل السيارات تستريح على الطرف البعيد من الزقاق، ليستريح الناس من زحام الدخان ولينعموا برائحة مفعمة بالمكان.

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية