انزلاقات الكلام
هذا ظلي.. جالساً على السطر

الصورة الفوتوغرافية وَ سفر التحولات

  

تبدو صغيرة بين يديك..تقلبها..تحرك مفاتيحها وكأنك تقلب في دفاتر التاريخ لهذا الجهاز الذي روض خيوط الضوء وجعل من استعادة لحظة هاربة في سياق الزمن أمراً ممكناً عبر صورة مربعة يتربع فيها اللون والظل وتكوينات الخطوط والاشكال.

 

كانوا يصفونها بالصورة الساكنة، تمييزاً لها عن الصورة المتحركة ..غير أن هذا السكون لم يكن يوماً ما قدراً للصورة الفوتوغرافية، كانت دائما أقرب للحركة منها الى السكون، أقرب الى التحول منها الى الثبات، حركة لجهة انفتاحها ومرونتها، تبدل أشكال حضورها ووظائفها، بات كل شيء ذي صلة بالصورة الفوتوغرافية أدعى للتغير والتحول.

 

هذه الصورة المأخوذة عن الواقع كانت صورة عن أحلام الانسان في ذات الوقت، أن يعاد توثيق الواقع بتفاصيله وتخزين تلك الثواني في سجلات للاجيال القادمة يعني أن يعيش الإنسان على تخوم الذاكرة، أن ينتقل اليها عبر معطيات الصورة الفوتوغرافية، هي الظلمة التي تستحيل ألوانا للرؤية وسطوحا للتذكر الطويل،  إنها المعرفة في صيغتها الأحدث حيث تشكلت معها ثقافتنا البصرية.

 

ما كان محسوباً على التفاعلات الكيميائية في الغرف المظلمة ترك تاريخه الطويل ليستقر في روزمة بكسلات قابلة للتحريك، طبقات متكاثرة قابلة للمحو و الاضافة، بعد أن دخل زمن البرامج الناعمة التي جعلت من تحولات الصورة شأناً لازماً، أو لنقل قدراً قائماً، فهي تقدم للصورة الفوتوغرافية حيوات متعددة بتعدد احتمالات التعديل في الصورة الأصل.

 

هذا التحول الدائم في موقع الصورة لازمه تحول في طرق إدراكها وتفسيرها، تأويلها وتقييمها، لم تعرف الصورة الفوتوغرافية اجتهادات نقدية وتنظيرية بالمقدار الذي عرفته الفنون والآداب الاخرى غير أنها وباتساع دائرة الصورة وانماطها عبر قنوات الميديا الحديثة جلبت اليها الكثير من الضوء الذي مازال يجد في المسير باتجاه تأطير هذه الاشكال الفنية المستجدة باطر نظرية تساعد في سبر معانيها والكشف عن مبانيها.

 

في هذا الحراك الطويل بدلت الصورة الفوتوغرافية موقعها في معركة الانتساب الى الفن، لا يمكن لأحد ان يرجع الحال الى نقطة السجال الاولى حول اهلية هذا النمط من التعبير للحاق بركب الفنون الجميلة، فقد ذهب التصوير أبعد من ذلك، أذ اصبح ملهماً لكثير من الفنون، وسببا في نشوء تجارب واتجاهات فنية أخرى، بل بدل أنماط ادراكنا لكل ما هو بصري، فكانت الصورة الفوتغرافية حافزًا لولادة عين قلقة متساءلة عن معنى النظر الى الاشياء، عن البعد التمثيلي في بنية الصورة الثابتة والمتحركة على السواء، لذلك انزاحت الصورة عن موقع التمثيل الايقوني الى ناحية التمثيل الاشاري في الدراسات الالسنية اللاحقة تدليلا على تحولات الفهم لهذا المعطى البصري الذي يحدث بنحو ميكانيكي  بيد أنه ممتلئ بروح الإنسان وبصماته.

 

لقد غدت نصاً مفتوحا على شهوة التأويل وانعاكسات الوعي الذاتي، فضاءاً اخضباً للحوار بين عين الرائي وسياقات  الحدث الفني، فثمة مساحة متوارية خلف المرئي تجاوز حدود التأطير، ما يجعل من مهمة تأويل المعنى عملية استكشاف مستمرة فهي لا تكتفي ببعد ظاهر واحد وإنما تلامس عوالم الصورة التي تعيش حيوات متعددة بتعدد سياقاتها.

 

وهكذا فإنه بين الصورة الكيميائية والصورة الرقمية ثمة تحولات جمالية وثقافية ومعرفية تؤكد تمدد الصورة في اتساع المشهد الإنساني، واتصالها بهاجس هذا الانسان واسئلته، كما تؤكد ديمومة التحول في مؤشرات الصورة على مختلف الاصعدة، وأنها على الدوام الأقرب الى الحلم منها الى الواقع، والى الشك منها الى اليقين،  وأننا موعودون دائما بتعريف جديد لهذا الشيء الفريد والساحر. 

 

أثير السادة

 

(0) تعليقات

تلويحة الكاميرا

 

بلا موعد أطارد الوجوه في شوارعنا، أجوب الأزقة بحثاً عن آخر خيوط الضوء الساقط على العابرين في تلك الدروب الضيقة، لا شيء يطفئ فضول الكاميرا سوى التسلل إلى تلك التعابير الشاردة في عيون الناس، إلى اليابس والرطب من ملاحمهم، وأعرف ساعتها كيف تضطرب عضلات وجه الواحد منهم حين تدير الكاميرا وجهها صوبه، هناك أنسى هذا المتسع من الضوء وأبحث عن ظل ابتسامة تقطع الطريق على ارتباكات هؤلاء الناس، أصافحهم بطمأنينة، فيما هم يراقبونني بحذر خشية أن تفتح الصورة بابهم الموصد!.

أنا مشدود إلى تلك الوجوه المحشوة بالتفاصيل.. إلى الباعة الجائلين في الظهيرة.. العجائز المتدثرين بصمتهم.. الساكنين بأحاديثهم على الأرصفة.. والهامسين إلى الشارع برغبات اللعب.. تتسع العدسة لكل أولئك الذين لا يظلهم شجر.. ولا تحتويهم إذاعة.. ولا يشغلهم هدير السيارات العابرة.

أبصر في فسحة الضوء تقاسيم الحزن والفرح، أمنيات الناس وأوجاعهم، وربما هذا سر خصام البعض منهم مع وميض الكاميرا، يخافون ان يفضح حدس الصورة المخبوء من تداعيات الروح، ما كتبته السنون على صفحة الوجه من قصائد حزينة مسكونة بالخوف من الآتي.. سيخفق قلب البعض مرات؛ لأنه سيكتشف مع استدارة العدسة انه لم يعد قادرا على اصطناع ابتسامة مترفة، وسيتذكر البعض الآخر ما ذبل من غصنه في ليل المحطات الطويلة، لن يحب فكرة الخلود الهش الذي تعد به الصورة، وقد يغلق حديقة أحزانه دون أن يخطف الضوء منها شيئا للذكرى.

ما يتبقى بعد مغادرة تلك الأمكنة حفنة من ضوء لا تكفي لاحتضان ما تساقط من مشاعرهم، وما خرج عن صمتهم من دقائق وثوان ترنو للبوح عن صباحاتها المتعبة، أنحني معها في كل مرة لأختار ركنا يفيض بالماء، ويفيض بما تنشد إليه الروح في تلويحة الكاميرا، ليمشي الضوء حيث يتسع المدى لصوغ صور ترسم لوحة منا على وجوه الآخرين.

(0) تعليقات

الصورة الفوتوغرافية كناظم لمعنى الواحة في أحساء العجائب

 

 

 

 

ما بين ٧٧ موقع طبيعي تمضي الإحساء بثبات حتى اللحظة في طريق الترقي على سلم العجائب الطبيعية الذي أصبح تقليداً معتمداً لإعادة استجلاء الاستثنائي والعجائبي من معطيات الطبيعة كبديل للمعالم الأثرية المعمارية ,التي  جرت العادة على حصرها ضمن دائرة العجائب السبعة وهي من صنيعة الإنسان: الهرم الأكبر, حدائق بابل المعلقة، تمثال زوس، هيكل ارتميس،ضريح موسولوس، أبولو رودس وَ منارة الإسكندرية.
 
 الإحساء وهي تتغزل حملة عجائب الدنيا السبعة الجديدة كانت بحاجة إلى دعامات بصرية تحيل الرائي إلى فعل التاريخ والطبيعة في هذا المكان وتؤسس للقناعة بفرادته  وهو يجهد لمزاحمة تلك الاعجوبات المفعمة بحضورها الأسطوري ، القديمة منها والحديثة، في سباق تحركه ديمقراطية التصويت المفتوح بحسب توصيف المنظمين، ليكون صورة عن قناعات الجمهور وتشوفاتهم بالدرجة الأولى.
 
 لا وجاهة للمقارنة بين الإحساء بكل ما فيها من تفاصيل وبين الكثير  من المناظر الطبيعية التي يجري إدراجها في قائمة التسابق، حتى الذين يحتفلون بها في شاعرية مفرطة يدركون صعوبة المصالحة بين المكان والصورة المتخيلة التي يروجون لها، غير أنها كمسابقة تحتمل هذا التأرجح على جغرافيا تصنعها ضغطات المشاركين على أزرار الخيارات كشرط صريح للترقي على هذا السلم باعتباره ابتكار الناس وامتداداً لتصوراتهم.
 
 بهذا النمط من الاصطفاء سيجرى انتخاب صورة الواحة لتكون مسوغاً  لولوج الإحساء في هذا السباق، لإثبات أهليتها في الظهور على خارطة العجيب والاستثنائي من الأمكنة، وعليه سيجري ترميم معنى الواحة الذي بدا استدراكاً لصورة الأطلال أو ما يشبهها من صور التلاشي والغيابـ، حتى لكأن الحماسة لهذا المعني تبحث في الأثر الرجعي للحكم المفترض تجاه صورة لا تخرج عن سياق محاولة تخليق  واقع يسكن في الماضي أكثر من الحاضر، أو استعادة لتنويعات الحنين  للبيت القديم،حيث تفتقد الواحة اليوم عنفوانها الأول بمثل ما فقدت ذاكرة العيون التي نضبت وأصبحت حدثاً يروى في مدونات التاريخ.
 

 لم تكن الصورة لتتأخر عن دورها الوسائطي في تحويل المكان إلى أثر جمالي، عبر عيون فوتوغرافيي الإحساء الذين باتت مهمتهم إيجاد صياغات بصرية قادرة على التماهي و الصورة المقترحة للمكان والإحالة على سماته الجمالية المحتملة، بالإفادة من تقنيات التصوير التي ليس من سبيل لإنكار فعلها في هندسة الأحاسيس والتحكم في مدلولات الصورة، كانت الصورة بالتحديد الطريق الأكثر مادية للوصول إلى الإحساء المتخيلة فهي تختزل بين أضلاع إطارها المربع شريطاً طويلاً من حكايا المدينة وتحولاتها، في لحظة تحتفي فيها العين بما تحب من مشاهد المكان لتجعله في دائرة الحضور الدائم.

   صور الفنان عبدالعزيز البقشي تبدو أكثر تلك الصور صراحة في التبشير بهذه العلاقة التي تدفع ناحية تخطي الواقع إلى الحلم كلما حملت ومضات الكاميرا في ظلالها مقتضيات الرهان في هذا السباق، فهي تجهد لتلمس  احتمالات المكان الجمالية التي ستتكئ في وجودها غالبا على حساسيته الفنية وقدرته على التوغل في أبعاد المنظر الطبيعي وتأسيسه جمالياً ودلالياً، فبناء الصورة المتأني عند البقشي يمثل إسهاما فوتوغرافيا في تصعيد الإحساس بجماليات المكانــ   وجعله مادة قابلة للإدراك والمعايشة.

 في الصورة المرفقة ببطاقة الإحساء في موقع المسابقة الرسمي يختار البقشي تقديم الواحة في لقطة  يلتقي فيها الأفق الوسيع بأعمدة جبل قارة الممتدة إلى طرف القرية في مقدمة الصورة وغابات النخيل  الكثيفة في الطرف الآخر مفيداً في ذلك من إمكانات عدسة عين السمكة التي تقترب من عين الإنسان في مجال إبصارها، هي لقطة تحمل في داخلها هاجس استيعاب الطبيعة في تشكيلها الفريد وامتدادها التاريخي، تحاول أن تمارس فعل التحفيز  لاستقصاء إشارات التاريخ في جغرافيا لم تستنزف كل أسرارها بعد, لتغدو الصورة أشد الأشياء  تماهياً والشكل المقترح لصورة المكان في سياق المسابقة.

 

 وتمثل صورته الفائزة بجائزة المركز الثاني في المهرجان العربي الأوربي في ألمانيا 2006 تأويلاً لتجليات الأخضر والأزرق في فضاء المدينة، ومزيجا من بهجة الألوان التي لا ينبغي إغفال دلالة الماء المتدفق من النبع والرغبة في استثماره للتعبير عن سريان الحياة في هذه الواحة الموعودة، وهنا يستمر البقشي في التأكيد على الشموخ والارتفاع كمائز لمفردات هذا المكان،باستحضار الطول الفارع للنخيل وتعزيزه عبر منظوره الفني المقترح، ما يمثل في سياق المشهد واحداً من معطياته الجمالية، وعنصراً معمقاً لدلالته الفنية.

 

 
وعلى نفس النول يمكن مقاربة صورته الأخرى لجبل قارة من الداخل حيث يتسلل عمود الضوء من ارتفاع ممتد إلى خارج إطار الصورة، فلا نعثر على علامة تشير إلى بلوغنا نهايته، غير إننا بدلاً من ذلك نجد في حضور الفتاتين ما يكفي لإنهاض الإحساس بهذا الارتفاع الشاهق ، فحضورهما المتناهي في الصغر داخل المشهد جاء ليشد الانتباه لذلك الارتفاع، بالتضافر مع الضوء الذي سيهب الجبل تعرجاته الجميلة وتضاريسه الباهرة.
 
 هكذا يروي لنا  البقشي بعدسته حكاياه الأثيرة  عن مسقط رأسه، عن المكان الذي لا يحتاج إلى ذريعة ليتجمل في عيون أهله، فتلك سيرة المكان الأول كما تجسده رغبات الناس وأحلامهم، حيث لا فكاك عن النظر برومانسية إلى المكون الأهم في ذاكرة الناس، إلى خواطر الطفولة وتداعيات النضج في تجسدها ضمن هذا الفضاء، هي العلاقة الخاصة التي تستبق الاحسائيين في توليد خيالات حالمة لهذه الواحة وتجعلهم يطوون دفاتر الأسئلة في عدوهم المشترك من اجل تعميد مدينتهم في نادي العجائب، مستعينين بالصورة لتكون اللغة المشتركة بينهم وبين العالم الذي قد يجهل موقعها على خارطة اليوم ، لكنه حتماً يتذكرها بوصفها الحاضن  للحقل الأكثر خصوبة نفطياً، وأنها واحة من ذهب اسود أيضا.
 
 والمحصلة أن هذا المكان إذا ما تموضع يوماً على رأس عجائب الدنيا  فلن يكون ذلك طرفة تاريخية حتماً بل سيكون الدليل على اتساع شهوة اللعب على هامش ديمقراطية الأزرار الالكترونية ؛لتغدو الصورة المتخيلة هي الأصل البديل الذي لا يقبل الإنكار بفضل وساطة الصورة البصرية التي تناضل من اجل تجسيد هذا المتخيل وجعله أكثر محسوسية ، فالواقع بذلك لا يمتلك من حقيقته الفعلية إلا بمقدار اتصاله بهذه الصياغات البصرية، وعلينا ربما واجب البحث عن هذا الواقع غالبا في حدود المهمش والمحذوف في مشهد البحث عن سيرة الخلود في سباق العجائب.
 
أثير السادة

  *ينشر بالتزامن مع مجلة الاعلام والاتصال - العدد 125 - غرة ذوالقعدة 1429هـ

(0) تعليقات

تأملات في جماليات التصوير المسرحي

 
 

تتمتع عروض المسرح على اختلاف أغراضها وتعدد أشكالها بعناصر جذب للمصورين الذين سيجدون فيها أشياء تجاوز مجرد متعة الفرجة التي يشاطرهم فيها الآخرون، لتوصلهم بلحظات ابداعية ملهمة هي بمثابة المختبر الحي للتصوير ، حيث المعمار المسرحي والإداء الجسدي والمؤثرات البصرية وباقي المفردات المسرحية التي تمثل الفارق الجمالي لهذه الصناعة الفنية.

 

وتمثل العروض النوعية أو ما يصطلح عليه عموماً بالعروض التجريبية او الطليعية الوجه الأكثر إغراءاً في هذا المجال لانشغالها الدائم باكتشاف مساحات جديدة للعلاقة ما بين تلك العناصر ، ومحاولة تطوير أشكال حضورها الفني ، ضمن تصورات جمالية تُنشّط الإحساس بخصوبة المسرح وعلاقته الجدلية بالواقع والحياة.

 

وكانت الاضاءة دائماً واحدة من العناصر المتحولة في الصناعة المسرحية، وأكثرها تجسيداً لهذا الهاجس الجمالي الذي ارتبط بتطور مفهوم السينوغرفيا ، والمتصل بالبعد التشكيلي في البناء المشهدي، فهي السبيل لاكتشاف حرارة الألوان، روح الظلال، حياة الأشياء، وبلاغة التشكيل، وهي تملك بث كودات نفسية، اجتماعية، زمانية ومكانية في نسيج العرض، فاللعب بالاضاءة هو لعب بالاحساس بكل تلك الاشياء التي تستعير من انعاكسات الضوء دلالتها.


 

لذلك ستتبدل وظيفة الاضاءة وتتعدد مصادرها وألوانها بحسب الرؤية الاخراجية التي يعمد المخرج/السينوغرافي الى تنفيذها بالتعاون مع مصمم الاضاءة، وستتجاوز الاضاءة وظيفتها النفعية اليومية الى وظيفة درامية جديدة متصلة بسياق الاحداث وطبيعة الصراع بين شخوص العرض، ومن هنا قد يصبح السؤال الجمالي في صناعة الضوء عند المسرحي مختلفاً عن قرينه الفوتوغرافي الذي يتعين عليه دائماً الاقتراب من العمل المسرحي من داخله، ليقتنص من لحظاته ومشاهده ما يحفظ للصورة قيمتها التوثيقية ، ويهبه صوراً فائضة بالجمال على حد سواء.

 

سيبدو التصوير المسرحي وفقاً لذلك عملية متأنية يتابع فيها المصور تحولات اللحظة المسرحية بكل ما فيها من زخم درامي، ويراقب فيها تلك العلاقة التراكبية بين عناصر العمل ، ما يجعل الفرجة في ذاتها فرجة مضاعفة ، من أجل الخلوص الى تكوينات بصرية من منظور فوتوغرافي، أي انها تنتمي في شرط وجودها الى خبرة المتلقي/المصور عوضاً عن المسرحي/المخرج، وهذا مايمنحنا في بعض الأحيان صوراً ضوئية لم تكن في حسبان مخرج العمل ولا في مجال ادراك المتلقي المتابع للعرض في لحظات جريانه.

 

ولعل محاولة نقل الفعل الحي من آنيته الى حالة الصورة الفوتوغرافية الساكنة التي تفترض حالة ماضوية يضع المصور أمام اشكال جوهري يتعلق بقوة الصورة وقدرتها على التمثيل، ويفتح الشكوك تجاه القيمة التوثيقية للصورة بما هي منتوج لعملية مركبة من الابصار والادراك والتذوق، وبالتالي يثير الاسئلة حول وظيفة الصورة المسرحية وقيمتها الفنية، فما يجري هنا هو محاولة للتأسيس على قواعد الصورة وجمالياتها في مقابل جماليات المسرح وطقوسه، التي وان تواشجت مع معطيات التشكيل إلا انها تبقى أكثر ارتباطاً برهافة جسد الممثل الذي يحدد طبيعة استجاباته وفق ايقاع اللحظة المسرحية.

 

يبقى هذا التشابك بين الحركة والضوء في المشهد المسرحي سبباً لامتداد الحياة في الصورة المسرحية التي ستستعيض عن صمت الصورة ببلاغة الفعل وبلاغة اللون معاً،والرهان هنا هو في قدرة الكاميرا على الحفاظ على التفاصيل الضرورية لهذا المشهد، وملاحظة شروط التمرئي التي تصوغ حقائق العمل المسرحي، وتدفقه بالحياة، من خلال مساحة زمنية ومكانية مقدرة بكل ما فيها من مفردات وتحركات وانفعالات.

 

في هذه المساحة يمكن لعدسة الكاميرا ان تقبض على دراما الاشياء والوجوه، أن تتعقبها في لحظات التوتر الدرامي وتصاعد وتيرة الصراع بين المؤدين، أن تتذوق المشهد في انبساطه وانقباضه، فثمة طاقة تعبيرية ثاوية في سياق الأحداث التي قد يلزم المصور التعرف على بعض تفاصيلها قبل المشاهدة عبر أفراد العمل ليتخير موقعه من مكان العرض، ويتهئ لمهمة التصوير بما يلزم من العدسات والإعدادات الخاصة، في وقت لا يحتمل فيه العرض التوقف او التكرار!.

 

* ينشر بالتزامن مع مجلة الزاوية- العدد الخامس - مايو 2008

 

 

 

(0) تعليقات

لذة بإتساع الرصيف!

 

 

كل شيء من ذكريات هذا الشارع قد عبر مع حبيبات الإسفلت الى الأرشيف ، حيث أسلمت الذاكرة أمرها الى تواقيع الحفارات، وما تبقى من البنيان المتآكل في ضياع المدينة.

 

بإنقطاع المد والجز عن هذه الارصفة إنحسر وجه المكان، وتبدد عبق العائدين بحلم القواقع مع آخر النوارس التي حملها الغيم باتجاه أزرق مستحيل، لم يعد للناس أرصفة تحمل أنفاسهم ، ضحكاتهم، حتى الرصيف تلاشى في التصاق المباني، وانكماش الدروب التي يسري بها الضوء الى كل النوافذ.

 

باب هذا المقهى القديم وحده ظل مفتوحاً يلوح للعابرين بخيوط الذكريات، يطرز في ابتهاج النهار قميصًا لهذا الرصيف الذي عليه غبار الوطن، وبقايا الحنين لحكايا النخيل.

 

الجالسون به يحتسون طعم المحطات الطويلة التي جمعت الى صفحات أعمارهم مرارة القهوة وحلاوة الشاي، حتى ذابت الفناجين في الوعود الذابلة التي مرت من أمامهم، دون أن يدخلوا في بناء القصيد، وهمس النشيد الذي علمته المدارس ابناءهم.

 

الذين تواعدوا لاقتسام الرصيف ، تركوا غيمة من الهم والحزن للذين شاخت بهم مرايا الطريق، فكانوا رماداً لاحتراق النخيل، وعقداً من الورد تأخر طويلاً عن عناق الندى.

 

كانوا هناك...

 

 

أثير السادة

 

(2) تعليقات

آلة الإبصار

علينا أن نقر بأن التقنية هي التي أسست لكل طموحات الصورة الفوتوغرافية بمثل ما أسهمت  هذه الأخيرة في صناعة الوعي البصري بكامله، فمنذ ولادتها كانت الصورة صنيعة الآلة وإمكاناتها التي تآلفت مع ملكات الكائن البشري وهو يكتشف لغة الرسم بريشة النور!.

 لا ينبغي أن نختلف كثيرا في إثبات حضور التقنية في تحولات الصورة الفوتوغرافية وان اختلف البعض في تحديد مساحة الآلي والإنساني في ما يمكن إدراجه من عناصر مؤثرة في مسيرة الصورة ، فإحساس الإنسان قد تغير كثيرا بالعالم المحيط حوله مع الكاميرا، بل بات كمن يبصر بعين ثالثة ، هذه العين التي تملك قابلية التماس مع لحظات لم تكن حتى ضمن متخيل الإنسان فضلا عن مجال إبصاره. 

التصوير فائق السرعة هو أحد الشواهد على فعل التقنية في الممارسات الجمالية ، على هذا الفتح البصري الذي يرتهن إلى ذكاء الآلة وتعدد مظاهرها في إدراك حركة الأشياء ضمن الجزئيات الدقيقة من الثانية الواحدة، حيث أصبح بالإمكان حبس رصاصة منطلقة في إطار صورة ، ورصد سلوك قطرة ماء في لحظة سقوطها ، وما إلى ذلك من اللحظات غير المدركة بالعين المجردة لسرعة حدوثها و تلاشيها.

هذه التجارب اللافتة هي بمثابة الشاهد على المسافة التي خطتها الصورة الفوتوغرافية على مستوى علاقة بالزمن ، في محاولة لتفتيت هذه الوحدة الصغير من الزمن واكتشاف حياة الأشياء فيها ، الأمر الذي يحيل الصورة إلى معرفة جديدة لها موقعها المهم ضمن حدود الدرس والبحث العلمي. 

مايجذب المصورين إلى هذه التجارب اليوم هو قدرتها على تحويل تلك اللحظات من جزئيات الثانية إلى تكوينات جمالية مأخوذة بمتعة الاكتشاف لتلك التفاصيل التي لا تدرك بالإبصار المباشر ، والتعرف على منطق الحركة في عبورها السريع ضمن وحدة الزمن. 

ما يقلق  فنيا هو  أن تتحول هذه التجارب الآخذة في الاتساع إلى اشتغال على التقنية عوضا من أن تكون اشتغالا على جماليات الصورة الفوتوغرافية ،بمعنى أن تستوفي الصورة شروطها الفنية دون أن تحقق قيمة جمالية ، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته في  الحالة التكرارية على مستوى الموضوعات وعلى مستوى آلية تنفيذها ، مع استمرار حالة الدهشة المصاحبة لهذه الصورة بكل معطياتها. 
 
ليكن المنزع الجمالي هو المحرض في صناعة هذا النوع من الصور حتى تتمدد الممارسة باتجاه خلق إمكانات جمالية تعزز من قدرات الصورة التعبيرية ، وتبرهن على اتصالها الوثيق بعنوان الفن ، وعدا ذلك لن يكون إلا ذهاباً إلى النهائيات التي لا تملك إلا انسداد الرؤية. 

أثير السادة 

* ينشر بالتزامن مع مجلة الزاوية، العدد الثالث - السعودية

 

(0) تعليقات

بحثاً عن العمق في المشهد الفوتوغرافي

 

تتعدد المعارض الفوتوغرافية في دول الخليج هذه الايام، في إشارة واضحة على اتساع دائرة المشتغلين على صناعة الصورة من جهة، وازدياد حضورها في الفضاء الاجتماعي الذي ما انقطع عن التحسس من افعال الكاميرا، وفرض القيود على أنماط سلوكها من جهة أخرى.

 

سنقرأ في الصحف عن معرض قادم ليوم الدوخلة في سنابس، ومعرض لجماعة التصوير الضوئي بالقطيف، ومعرض دولي للصورة الصحفية في مسقط، ومعرض بجامعة عجمان، وكلها تحتفي بمنتوج الصور الذي أخذ يتدفق بكثافة إلى مشهدنا الفوتوغرافي، ضمن سياق غير منفصل عن المشهد الكوني الذي تبدو فيه الصورة بكافة تجلياتها الوجه الأبرز للصناعة الثقافية الحديثة.

 

هذه العلاقة الجديدة مع الكاميرا التي أسس لها جيل الكاميرات الرقمية جعلت من هذه الممارسة أكثر التصاقا بالحياة اليومية وموضوعاتها، وأكثر قدرة على اقتحام فضاءات الفرد الذي يجهد في توصيف ذاته وانشغالاتها  عبر الصور التي تراهن على قدرتها على التمثيل.

 

متغيرات كثيرة لحقت بهذا المشهد الفوتوغرافي، باتت تلك الصفة النخبوية لهذا الفن جزء من ذاكرة التصوير، نخبوية فرضتها التكلفة العالية للكاميرات التقليدية وملحقاتها، وحزمة الأسرار الفنية التي لم تكن متاحة للجميع كما هو الحال اليوم، والايقاع البطئ وكلفة المغامرة في انتاج الصورة..كلها مسائل تم تجاوزها بفعل التقنية وتسارع تحولاتها، الأمر الذي جعل من الكاميرا متمماً لاكسسورات الفرد في مجتمعاتنا، فبات التصوير يأخذ طابع الفن الشعبي، فن الناس الذين سيمنحون الصورة شروط حياتها.

 

إنه الزمن الذي بات طيعاً، مرناً في علاقته وأصابع الممارسين الذين يملكون اختطاف الضوء تلو الضوء، ومحو المسافة بين الصور للوصول إلى المقترح الجمالي المطلوب، فزمن ولادة الصورة مطابق لزمن انتاجاها، على خلاف الكاميرات التقليدية التي تعمل وفق ذلك التقسيم القهري بين زمن التقاط الصورة وزمن انتاجها في الغرف المظلمة.

 

خروج الصورة من الغرف المظلمة كان بمثابة الإعلان عن دخول الكثيرين إلى ساحة الضوء، وولادة تجارب فنية في سياق زمني قياسي، بعضها  لم تكمل عامها الأول حتى بدأت الاعلان عن تشوفاتها في معارض شخصية وأخرى جماعية، تحمل في ثناياها تناقضات المحاولات الأولى، دون ان تخلو من التماعات في بنائها الفني، والقدرة على الإفادة من إمكانات الكاميرا الرقمية.

 

غير أن هذه الوفرة من المعارض والتجارب لا تحمل في الغالب إشارات جادة على  تحولات جوهرية في وعي الصورة، او انزياحات جمالية باتجاه  اختبار الصورة في وجهها الثقافي، حيث الغلبة الدائمة للأسئلة الشكلانية التي تؤسس لقيمة الصورة في المشهد الفوتوغرافي عندنا، بمعنى الاستغراق في شروط الصورة الفنية باعتبارها القيمة الابداعية التي يجهد المصور لإتيانها والترويج لها.

 

ستكرس تلك التجارب جهدها لمطاولة موضوعاتها التقليدية التي لن تخرج عن إطار الاحتفاء بوجوه الاطفال، وحياة الطبيعة، ومنتجات الأستوديو، بأقل قلق جمالي، ما يفقد التجارب قابليتها على تصعيد الجدل الجمالي والمعرفي، أو التماس مع ارهاصات التجارب الأحدث التي تنشغل في مساءلة حضور الصورة وقدرتها على التمثيل باعتبارها وسيطاً للتعبير.

 

قليلة جداً هي التجارب التي تستبطن رغبة في الإختلاف، في الخروج عن نمطية العرض، ونمطية الموضوعات في اشتغالها الفني . لن نجد ما يوحي غالبا بانهمام المصور الفوتوغرافي بالتحرر من ذلك الحس المدرسي الذي يفترض علاقة امتثالية بين المصور وقواعد التصوير وأسالبيه بمثل ما تروج لها دورات التصوير، والمنتديات الالكترونية.

 

والحاصل أنه هنالك امتداد أفقي في اتجاهات التصوير المحلية والخليجية، تعبر عنه المنتديات والمعارض والمسابقات، يستوجب امتداداً مماثلاً باتجاه العمق لتحريك العناصر الساكنة في بنية هذا المشهد الفني ، من أجل اجتراح حساسية جديدة تستقرئ تحولات الصورة الفوتوغرافية، وتعاود اختبار فاعليتها في صناعة الثقافة البصرية.

 أثير السادة

 

 * ينشر المقال بالتزامن مع مجلة فوتوجرافيك - العدد السادس، دولة الكويت

 

(0) تعليقات

مدونات...كاتالوج الفقر والتشرد

مدونات...كاتالوج الفقر والتشرد

 

تذهب بنا الشاعرة هيلدا اسماعيل في تجربتها الضوئية الأولى "مدونات" الى اكتشاف جاذبيات الابيض والاسود فوتوغرافيا وهي  تضيء لنا الطريق للعبور الى شوارع الفقراء والمشردين ، للولوج الى عالمهم الانساني الذي يتمحور حوله المعرض.

 

هناك بين شهيق الشوارع وزفيرها يتمدد الفقراء بأجسادهم المنسية على الأرصفة ، يتنفسون في عبور المارة بعض المال الساقط من قلوبهم ملفوفا ببعض ازهار الشفقة التي قد تبعد الفقير مسافة قصيرة من احتمالية الموت جوعا..هناك تقف التجربة البصرية لصيقة من موضوعة ليست للترفية او الاستهلاك ، بل لإيقاظ العين وشحذ الانتباه، استحضارا للحظات من هذا الهامش الانساني الذي نختزله غالبا في نظرة شفقة باردة.

 

لا تنشغل اسماعيل كثيرا باختبار التكونيات وانتقاء الزوايا ، فهي لا تراهن على الحسابات الفنية في التقاط الصورة بقدر رهانها على تكثيف اللحظة الانسانية وتزخيمها ، هي بالتحديد متحيزة للمعنى الذي يصوغه الحدث في ومضة عابرة لا تحتمل الاعتناء بالتطبيقات الفنية للتصوير ، دون ان يكون ذلك حائلا دون الوصول الى معالجات فنية لاحقة لابعاد الصورة وانماط تأطيرها، ولذلك ستجد في الابيض والاسود فسحتها التعبيرية وهي تجرد الصور من اطياف اللون بحثا عن طقس لوني شديد الاخلاص للموضوعة المركزية، مع استثناء بعض الالوان التي تختارها ضمن عملية تصميم المشهد وبناء دلالاته.

 

ستحيل المعرض الى كاتالوج لأشكال الوجع اليومي الذي يحياه المشردون ، تتنوع الامكنة وتختلف الهيئات والهويات غير ان الصور تمضي الى تكاملها في استدعاء الطابع المأساوي لمصائرهم المتأرجحة على حد الفقر ، ترصد انحناءات اجسادهم ، ذبول عيونهم ، وايديهم الممدوة باتساع الطريق بوصفها تمظهرات درامية في بنية النص البصري الذي سعت الى الامعان في تأويله عبر نصوصها المتداخلة مع تكوين بعض من الصور المعروضة.

 

لا يقرأ سردها الصورة ، لا يقترب من نسيجها الداخلي ، لا يحاورها ، كان السرد في الغالب أقرب للشروح والتعليقات منه الى الانفتاح على تفاعلية النص والصورة ، وهو الأمر الذي جاء على حساب المساحة الخلفية في الصورة ، حيث توارت خلفيات المشهد بسبب الحل الاجرائي الذي انتهت اليه الصور في صيغة عرضها المقترنة بالخلفيات السوداء ، وبالتالي تم تهميش جزء مهم من  العلاقة بين مركز الصورة وفضاء الحدث المرصود.

 

غير ان طبيعة العرض كانت تتقصد ايجاد نمط مغاير للتلقي ، بالخروج عن رتابة التقليدي من المعارض ، فنحن امام صور مكبرة بأحجام تتيح التوغل في احاسيس الشهد ، والتفاعل مع مفرداته ، مع اصرار على تحويل اجزاء منها الى جزئيات مكبرة ضمن حدود الصورة الاصل حتى تسمح بالمزيد من الاقتراب من تفاصيل الاشياء ، وذلك في أفعال واعية يراد بها توجيه عين المتلقي في فضاء الفرجة.

 

 ثمة رغبة كانت حاضرة لايصال هذا المشهد الفوتوغرافي الساكن بالصورة المتحركة ، عبر اخراج سمعي بصري قصير مصاحب للمعرض لم يفلح في ايجاد منطقة تلاحم مع الصورة الساكنة التي كانت أكثر حياة في تمثلها الفني ، وهي المشحونة بدفقها العاطفي ، وكان بالامكان ادراج هذه المحاولة ضمن حالة تركيبية تستثمر فضاء العرض لايجاد صورة سيالة مكملة لمقاصد التجربة، وتأسيس رؤية بصرية تعاود التأكيد على جماليات التجاور والتداخل الفني.

 

ويبقى هذا الحنين للتماس مع الإنساني في تجربة هيلدا اسماعيل البصرية محرضا للتعاطي معها بفرح ، فرح يطال محاولتها لاستدراج الممارسة الفوتوغرافية الى علاقة اكثر حيوية مع الهامشي واليومي من قضايا الانسان ، واختبار انموذج الصورة العابرة التي تبدو مشحونة بصريا رغم افتراقها عن اعراف وشروط الصورة التقليدية معظم الاحيان.

 

 

 أثير السادة

(0) تعليقات

ست حكايات وحكاية

 

 * الصورة بكاميرا الجوال "نوكيا N73"
صورة ونص: أثـير السادة:

(1)

المسمار في الجدار
قد يحمل صورة من ذكريات العمر
لوحة من مقتنيات الفنون الجميلة
أو قطعة من تحف الزينة والتزيين

(2)

والمسمار في الألواح
يشد الأول للثاني
يسكن بينهما ما تبقى من العمر الآتي
ويطوي بسكينته كل أسرار الليل

(3)

والمسمار تحت أدوات الطرق
عبد قلق
يخشى ان يطرده مولاه
أو يتركه يطيل الانحناء.

(4)

والمسمار الصدئ
اتعبه انحدار الدمع
في مرثية العمر
وخيانات الرطوبة
حتى صار كالعرجون!

(5)

والمسار المقلوب
أعمى الشبق بصيرته
فانكب على ظله يراوده
عن ساعة انحناء!

(6)

وبين المسمار وظله
سحر الإشارات
وطلسم الذكريات البعيدة
وامتداد الضوء في الأجساد
ساعة استرخائها في الغياب

(7)
 .....

رابط المقال: http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53720

(3) تعليقات

صورة الصورة

 

نص الورقة التي قدمت بنادي التصوير الضوئي بالدمام - 29/4/2007

 

أثير السادة

 

حين كان آباؤنا يصفون الصورة بـ"العكس" كانوا يشيرون بنحو او بآخر الى آلية اشتغال هذا الجهاز الجديد على عالمهم، فقد وجدوا فيه قدرة على عكس صور الأشياء،  تماما كما تصنع المرايا ، فأمتد الوصف ليصبح المصور عكاسا ومجموع الصور عكوسا وهكذا.

 

لقد كانت تلك اشارة اولية على طبيعة وعينا للصورة الفوتوغرافية ، ولعل الاستخدام الشعبي لمفردة "عكس" يبدو مخالفا للمعنى القاموسي ، غير انه واضح بأن المراد منه فعل الانعكاس ، أي انعكاس صورة المرئي على رقائق التصوير آنذاك.

 

لم يكن السؤال عن ماهية الصورة الفوتوغرافية وحقيقتها يتجاوز هذا الحد في الوعي الجمعي ، الا ان الخطاب الديني الذي ظل متحفظا على هذه الممارسة انشغل مبكرا في توصيف دور الانسان في هذه العملية ، فالذين انتهوا الى تحريم التصوير كانوا يرون بأن في ذلك مضاهاة لفعل الخالق ، وهم يجمعون في ذلك بين التصوير باليد والتصوير بالآلة ، وبين الصورة المنحوتة ، والصورة المطبوعة ، وبعضهم توقف عن القول بالحرمة على اعتبار أن فعل التصوير بالكاميرا هو فعل الآلة اولا ، ونقل للشيء على صورته ثانيا، اي ان الصورة هي انطباع للشيء كما خلقه الله دون مضاهاة.

 

هذا السجال الديني على ما فيه من تعميم احيانا وتسطيح احيانا اخرى ، بدا قريبا من سجالات قديمة وأخرى متقدمة ، تختص بحقيقة الصورة ، وتختص بحقيقة اتصال الصورة المباشر بالحقيقة ، ومدى تأثير المصور والآلة في انتاج المعنى والحقيقة لهذه الصور.

 

كانت  النظرة السائدة منذ البدايات أن الصورة هي منتوج جاهز تصنعه الآلة ، ولذلك كانت موضع تشكيك في جدارة انتسابها للفن ، فعلى خلاف الممارسات الابداعية الاخرى التي هي من صنيعة الانسان ، وبالاحرى صنيعة يده التي كانت تكتب وترسم ، بدت الصورة الفوتوغرافية التي تستند الى الضوء في وجودها مجرد اعادة انتاج ميكانيكي للحظة الاصلية ، للموضوع المنظور ، أي انها بالنتيجة ليست سوى هذا الجهد لاستثمار مصدر الضوء لابصار الاجسام وخلق اشباه لها على الورق ضمن عمليات كيميائية خاصة بالاستظهار.

 

جاءت الصورة وهي تحمل صفة المطابقة والمشابهة ، وتختص بوظيفة العمل الوثائقي الذي يعنى بنقل الحقيقة كما هي ، وكان اكثر الاسئلة جدلا وقتها هو كيف يمكن ربطها بالفن دون ان يكون فيها عناصر التخييل التي تتصل عادة باشكال التعبير الفنية ، فسحة التخييل التي يتحكم فيها المبدع ليحيل ادراكاته الى محسوسات ضمن قوالب فنية ، فضلا عن الاعتقاد بمحدودية قدرة المصور على التدخل في بناء الصورة ، فما هو الا أسير لميكانيكا الآلة وخصوصية الأحماض.

 

لا يمكن للصورة الفوتوغرافية بحسب المعترضين ان تلحق بركب الفن ما دامت لا تحمل شيئا من روح الفنان واضافاته ، الزخم الروحي الذي يؤسس للقيمة الفنية لاي عمل ابداعي ، وعليه أعتبر البعض التصوير ملجأ للرسامين الفاشلين وفاقدي الموهبة لا أكثر.

 

بعض الهجوم الحاد على الصورة كان دافعه خوف الرسامين على مستقبل الرسم بعد ان أخد التصوير في مزاحمته من حيث الوظيفة والقيمة ، فكان واضحا في المراحل الاولى مدى تأثر رسامي البورترية على سبيل المثال بهذا الواقع الجديد ، وتراجع الطلب على هذا النمط من الرسم لصالح الصورة الفوتوغرفية التي كانت تراهن على دقة التفاصيل ، وعدم حاجتها لذلك العدد من الجلسات الطويلة اللازمة لانجاز رسوم البورترية.

 

لم تحظى الصورة وقتها بإعتراف المتاحف الفنية كواحدة من مفردات الفنون الجميلة، وظلت لاعتبارات كثيرة بعيدة عن العرض وعن الحضور الفني في هذه الموقع المعنية بعرض الاعمال الابداعية في مسيرتها التاريخية ، ومن الطرائف ان حادثة جرت في فرنسا عام 1862  تقدم فيها احد المصورين بدعوى الى المحكمة ضد شخص استغل فيها صورة من صوره ، وحكمت المحكمة حكما اوليا بعدم شرعية المطالبة على اعتبار ان حقوق الملكية الفكرية تطبق فقط على ما هو أثر فني وابداعي ، وبما أن التصوير ليس محسوبا على الفن  ،فلا أصل للدعوى!.

 

كانت المقارنات المستمرة بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي  تمثل عائقا حقيقيا في دخول الأخير ساحة الفن ، وفي ايجاد ادراك واضح للجوهر الفني لهذا الشكل المستجد من اشكال التعبير ، ومن تلك المقارنات التي خرج بها السجال آنذاك هي سهولة تنفيذ اللقطة وعدم الحاجة للتدرب والتعلم قياسا بالرسم الذي يستلزم الدربة والدراية لانجاز بورترية على سبيل المثال ، وهي مقايسة بها من التبسيط المخل ، حيث تعمد الى حصر جماليات الصورة في مجرد التقاطها ، ولو كان الامر كذلك لصحت المقارنة ، غير صناعة الصورة الجيدة تستوجب في الحد الادنى الالمام بمفاتيح الكاميرا وآلية عملها فضلا عن توافر الاحساس والخبرة الفنيين.

 

في المقابل ، كانت تجربة التصوير الفوتوغرافي تسير باتجاه التمدد والاتساع متزامنة في ذلك مع تطورات التقنية التي حملت الكاميرا  في مراحل مختلفة من صورتها الاولى ذات الجودة المتدنية ، الى آفاق التقنية بتحولاتها المستمرة ، في سعي لم يتوقف في اكتشاف وسائط التحميض وأسرار مصادر النور داخل الغرف المظلمة  واختباراتها.

ومع نمو التجربة نما الاحساس بجماليات وامكانيات هذه الصنعة ، وبدا المشتغلون في صناعة الصورة الفوتوغرافية اكثر اقتدارا على إثبات حضورهم ابداعيا وهم يقتربون بالكاميرا الى كل تفاصيل الحياة ، يرصدون كل الاشياء من حولهم ، في امتياز حقيقي يتعذر الحصول عليه في تجارب الرسم واشكال التصوير الأخرى ، ومن هناك أفاد التشكيل من التصوير الضوئي في وجوه عدة ، فقد وجهت الكاميرا الانظار الى زوايا غير منظورة ، لحظات غير مدركة ضمن جزئيات الحركة ، كما استعان البعض بالصورة لاستكمال اعماله الفنية ، وفي كل ذلك اقرار بفرادة هذا الجهاز العجيب.

 

لقد سعى المصورون الى إعادة الاعتبار لدور المصور في صناعة الصور ، وهو الدور الذي تم انتقاصه تحت دعاوى النقل المباشر للواقع ومحدودية القدرة على التدخل ، فكانت البراعة في تصوير المواضيع وابتكار الافكار ، ومحاولة محاكاة فن الرسم في أحيان أخرى كما في تنعيم صور البورترية ، الأمر الذي ساهم في بناء القناعة وان في شكلها البسيط بوجود لمسات المصور على الصورة الفوتوغرافية.

 

وشيئا فشيئا بدا الحديث عن امكانية خروج الصورة عن مجرد النسخ المباشر مستساغا ومتداولا ، الى ان صرنا اليوم نتحدث صراحة عن وجود أشياء عديدة لها اتصال بعملية انتاج الصورة ، ولها فاعلية في توجيه الصورة وبناء دلالاتها ، منها سياق الصورة ، موضوع الصورة ، علاقة المصور بالصورة وهكذا..

 
وقد قدمت الدراسات السيميولوجية لاحقا على هذا المستوى وصفا تحليليا لتلك للعناصر الرئيسية في بناء الصورة والعلاقات المتداخلة فيما بينها ،  ضمن اشتعالها على تحليل النماذج غير اللسانية ، وهو تحليل مبني على النظر الى الصورة بوصفها لغة ، لها قواعدها ونماذجها، والذي يمكن لنا ان نعتبره تخطيطا لاشكال الصرف والنحو في بناء الصورة.

 

 كانت الصورة الفوتوغرافية بحسب الدراسات السيميلوجية أقرب أشكال التمثيل مطابقة لموضوعاتها ، بمعنى أن الصورة تمثل حالة ايقونية في سلوكها العلاماتي ، أي ان الدال والمدلول وفق التقسيم السوسيري لانتاج الدلالة متقاربان الى الحد الذي "نفقد فيه الشعور بأنها ليست الشيء نفسه" ، مع التأكيد على قابلية الصورة ان تكون علامة شاهدية او رمزية بحسب طريقة اتصالها بموضوعها.

 

غير ان مسألة  المماثلة والتشابه كانت محل مراجعة جوهرية من جهة الطبيعة التمثيلية للتصوير الفوتوغرافي ، حيث سعت منهجيات النقد الحديث الى اخراج الصورة الفوتوغرافية من ميدان التبسيط والبحث عن مدخل جديد لاكتشاف "البنية الادراكية"  التي تحدد بها طبيعة العلاقة بين الصورة وموضوعاتها ، واعادة تعريف فكرة التمثيل الايقوني المفترض في بناء الصورة.

 

وهنا نمت الجهود ناحية التمييز بين ادارك الصورة على مستوى وجودها وبين ادراكها على مستوى الدلالة والمعنى ، فالصورة كمعطى تحيل على حادثة ، وهذا هي الاشارة الصريحة على اتصالها بالحقيقة ، اي حقيقة وجود الشيء المصور ، غير ان ذلك لا يعني ادراكا لحقيقة معناها، "فالتعرف على هذه الواقعة باعتبارها شيئا موجودا خارج الذات ، عملية مختلفة عن عملية تأويلها وتحديد كامل دلالاتها داخل الصرح الثقافي الذي يحكم مجتمعا ما.." (راجع سعيد بنكراد ، التمثيل البصري بين الادراك وانتاج المعنى).

 

وعلى هذا الاسس ستقترح المقاربات النقدية والابستملوجية اشكالا جديدة لسيرورة الدلالة في ميدان الصورة التي سستخلص من طابعها الايقوني ضمن فرضيات التلقي والاتصال الحديثة ، وبناء عليه سيندرج المتلقي هو الآخر في معادلة البناء وتشييد المعنى ، وسيسند اليه فعل القراءة والتأويل ، مع الاحتفاظ بصورة المبدع/المصور كطرف آخر في معادلة الاتصال التي تمر من خلال وساطة الصورة.

 

ليس ثمة تمثيل برئ خال من ترسبات الذات ، هذا ما ستقرره الدراسات الثقافية لاحقا وهي تؤسس للمقروئية الجديدة لاشكال التعبير الفنية ومنها الصورة ، ستصبح الصورة امتدادا لهذه الذات وترسباتها ، معارفها ومواقفها ، انفعالاتها التي سترسم حدود الصورة وابعادها.

 

الصورة بذلك تشبه نفسها ، بمقدار ما تشبه الواقع ، تشير الى ذات صانعها بقدر ما تشير الى الحادثة ذاتها ، ففي كل صورة يمارس المصور معاودة انتاج ذاته داخل الصورة ضمن سلسلة من الاستحسانات والانتخابات من مشهد الحدث الذي سيقبض منه في كل مرة على حفنة ضوء ، ووحدة صغيرة من حساب الزمن المستمر في تدفقه.

 

وبذلك لن يكون انعاكس الضوء سوى انعكاسا لذات الفنان ، وتلك المساحة غير المرئية من الاحلام والهواجس والمواقف  التي تعلن حضورها عبر تفاصيل الصورة ، وهو التفسير الذي سيعيد تشكيل مفهوم الصورة على خلاف الحالة المرآتية التي كانت تفترض غياب المصور كوسيط فاعل في انتاج الصورة ، لتكون وظيفته الحقيقية صناعة الصورة وليس مجرد التقاطها.

 

والحقيقة ان التغير في فهم وظيفة المصور وادراك طبيعة الصور ما كان منفصلا عن سياق التحولات الثقافية والمعرفية من جهة ، والتحولات التكنولوجية من جهة أخرى ، فلا ينبغي عزل حرفة التصوير عن باقي الممارسات الابداعية والتي مرت بأشكال من التغيير في تقاليدها ومظاهرها وذلك ضمن افق التحولات الثقافية التي شكلت الوعي البشري في القرنين الفائتين.

 

يتعين النظر الى الصورة الفوتوغرافية في سياق نقاشات الحداثة وما بعدها ، وما انتجته تلك النقاشات من تصورات ومفاهيم ومعايير مؤطرة للعمل الثقافي ، حتى نتفحص تأثيرات هذه الحقبة الزمنية وتياراتها على اتجاهات الصورة الفوتوغرافية على مستوى الانتاج والتلقي على السواء.

 

يتمثل المظهر الحداثي للصورة بحسب الباحثين في افتراقها عن النزعة التأثيرية/الانطباعية التي نمت في أواخر القرن التاسع عشر  ضمن محاولات المصورين الاقتراب من عالم التشكيل لاكتساب شرعية الدخول في نادي الفن ، فصارت الدعوة مع الحداثة  باتجاه ايجاد صورة فوتوغرافية خالصة ، تعكس خصائص هذا الوسيط الفني وتعمل على استثمارها.

 

لم يكن الحداثيون منشغلين بجعل الصورة وسيطا للبحث في المواضيع بقدر ما كانوا منهمين بالمسائل الجمالية ، فكان العمل منصبا على انتاج صورة مباشرة حادة التفاصيل دون اي تدخلات ، وكان الشعار هو لنجعل الصورة أكثر شبها بالصورة ، في إشارة الى هاجس حداثي آخر هو الحفاظ على  موضوعية الصورة الفوتوغرافية.

 

تجارب ادوارد وتسون كانت واحدة من العلامات البارزة في حقبة الحداثة ، انشغل فيها بداية بصناعة البورتريه ثم بإكتشاف الجسد وتغيراته ، وحتى اكتشاف الطبيعة وجمالياتها النحتية  الى ان اقترب من لحظات التجريد في التشكيلات الطبيعية للخضروات ، ولعل الصورة الابيض و الاسود لتكوين الفلفل البارد هي الاشهر ، وفيها تظهر الصورة تأثيرات أشبه بالنحت في تفاصيل قطعة الفلفل.

 

واذا كانت الحداثة في التصوير  بدأت من لحظة الانزياح في التركيز من الموضوع محل التصوير الى الصورة ذاتها باعتبارها الموضوع ، فإن ما بعد الحداثة جاءت لتركز على ما وراء الصورة اكثر من الصورة ذاتها ..اي الافكار التي تستبطها الصورة والرسالة التي تحملها..وكان النقد منصبا على مقولات الحداثة وفي مقدمتها الموضوعية ، فبحسب الوعي المابعدي ثمة بعد ذاتي في الصناعة الفنية لا يمكن التجرد منه او الحديث عن الموضوعية الخالصة، ولذلك لم تنشغل ما بعد الحداثة بمسألة حدة الصورة بل وجدتها امعانا في الايهام بالموضوعية ، وعليه اصبحت الصورة التي يقدمها الفنان هي تعبير عن ما يراه وما يشعر به معا.

كان يبدو جليا مدى تأثر الصورة الفوتوغرافية بالتيارات الفنية والمدارس الفكرية التي رسمت  ملامح هذه المرحلة ، في الوقت الذي كانت تعيش فيه الفنون تجاورا وتقاطعا دائما ، ما جعل الصورة حاضرة ضمن بناءات فنية جديدة كأشكال التجميع والدمج التي ظهرت في تجارب الكولاج والمفاهيمية والتركيبية.

 

برزت طرق جديدة للتعبير بالصورة غير أنها لم تكن في الغالب مشغولة بتطوير الصورة بقدر انشغالها في توظيفها لدعم فكرة العمل المفتوح على مساحة الابداع بكافة الوانه التعبيرية  ، فهي اداة مكملة في احيان ، ومفردة ضمن جملة مفردات كما في الفن المفاهيمي والتركيبي ، اي ان الممارسة بذاتها لم تنتج تغلغلا في جماليات الصورة ، بل قدمت تصورات عن أشكال العلاقة الممكنة للصورة الفوتوغرافية في حال تظافرها مع الفنون الأخرى.

 

ثمة مصورون جدد لكن ليس بالمعنى التقليدي ، فهم في الغالب لا يملكون دراية فنية بتقنيات التصوير ، بل يفيدون من الصورة في تصعيد الجدل المعرفي الذي تنحو باتجاهه فكرة العمل ، ما يمنح العمل قيمته الجمالية التي تتصل بالدرجة الاولى بجماليات التلقي من المنظور النقدي الحديث.

 

الصورة اليوم في صيغتها الرقمية هي أقرب لتصورات ما بعد الحداثة ، من حيث انفتاحها على قابليات التركيب والتفكيك ، فهي بحسب الاوصاف الجديدة حزمة من الطبقات والشرائح ، وعدد مقدر من البكسلات..هي اليوم اكثر مرونة ، اكثر طواعية،  تبدو كمجموعة "بكسلات" قابلة للحركة،  وعليه تتكاثر احتمالات الخداع ، اي بنحو هدم معنى وبناء آخر ، واذا كانت الصورة في وجهها الابداعي تعيش اسئلة جمالية مع تنامي حضور الفوتوشوب ، او لنقل فنية لمزيد من الدقة،  فإنها في وجهها الوثائقي تواجه اسئلة اخلاقية حول مصداقيتها وقيمتها ، حول التزام المصورين برواية الواقع كما يرونه عبر الصورة.

 

كلنا يمارس بنحو او بآخر محاولة التأثير على الصورة بعد التقاطها عبر البرامج المعروفة لتصحيح الصور ، وثمة ما هو مشترك ومتفق عليه كسلوك مقبول في معالجة الصور كتصحيح عمق الالوان ، وازالة الزوائد ، ومعالجة مساحات العتمة الناتجة عن فوارق التعريض ، وهذه المعالجات يجري قبولها باعتبارها تصحيحا لاخطاء فنية وليس التأثير على اتجاه الموضوع بغرض التضليل او تزييف الحقائق.

 

أنها صورة الواقع الجديد ، او الحقيقة الجديدة ، وفيها يمارس الكمبيوتر عملية هدم وازالة لكثير من يقينيات الصورة ، وتعريض المسافة بين الأصل والصورة ،وأعادة تأهيل لعلاقة الصورة بالتصاميم ، وعلاقة الصورة بالرسم والنحت ،   وعلاقة العين بما ترى وما لا ترى من الصورة  الفوتوغرافية ، حتى انتهينا اليوم في عهد الديجتال الى السؤال ان كان ما نراه من هذا الفن الجديد  هو صورة فوتوغرافية أم لا، وذلك في صورة مقلوبة من السؤال القديم الذي كان يجادل حول ما اذا كانت الصورة الفوتوغرافية من أشكال الفن!.

 

(1) تعليقات

عاشوراء وغواية الملتيمديا..صورة الرادود مثالا

 

 

يقولون ان الصورة حياة ، لذلك تبدو قادرة  على منحنا نشوة الحضور ، تجعل منا هدفا في مرمى النظر ، في لحظة اتصال فريدة ، يمتلك الرائي حق تفسيرها ، تأويلها ، بالعودة الى خزان ذاكرته.

في عاشوراء ستضاف الصورة الى الصوت ، ستصبح المكمل لروح القصيدة المسكونة بالندب والحزن الشفيف ، فكما يتملكنا صوت المؤدي في ترداد الابيات سنكون معنيين بالتأمل في صورته ، فما كان يمضي بلا اي اعتبار كحالة عفوية بات اليوم جزء من تقنيات التواصل.

المظهر الباكي للمنشد الديني في عاشوراء لم يعد وحده من يرسم لوحة الحزن ويرسل اشارات التفاعل الى السابحين في تفجعهم ، هناك اعتراف بضرورة وجود أثر فني في صور المنشد، ايحاءات تبعد عن التعبيرات الفجة لوجه محفور بقطر الدموع الجارية.

 

ولأنها تحتفظ بشيء من الحياة ، سيختار المنشد او الرادود صورة الحياة التي يريد ان يحياها في ذهن مريديه ، سيبحث عن ما يلصق الصورة في الاذهان قبل الامكنة ، والصورة في كل الاحوال اكثر عدوى من الكتابة كما يورد الباحثون.

ستصبح الصورة شهادة دالة على وجوده ، جسرا للعبور الى عالمه ، حيث يتزاوج الارتباط بالسمع والبصر ، وتسري رغبة الجماهير في التماس ولو بنحو رمزي كما في الصورة مع  من يحبون من اولئك لمنشدين/الرواديد.

لقد دخلت الصورة الى ذلك العالم من باب الرواج ، وبرغبة اجتياز المسافة الى عالم المعجبين، فهي تأخذنا الى احضانهم بأيسر من الكلمة ، وعلى مافيها من الاختصار تبدو كثيفة الدلالة ، سخية في اشاراتها ، ما يجعلها حاضرة على الدوام لتلبية رغبة المريدين ، الامر الذي سيبرر تحول الصورة من وقت لآخر ، لصالح تعزيز معان جديدة ، تتصل بذات الرادود قدر اتصالها بموضوع المناسبة/القصيدة/الكاسيت.

سوف تتبخر الدموع من تضاريس الوجوه في صور الاعلانات لتحضر صور أخرى تسافر فيها عيون الرادود الى السماء ، او تنشغل بالصلاة على بياض السطور ، او تعالج حزنها بصمت تحكيه تفاصيل الاعلان ، انها الاشارة البالغة على التقدم الملحوظ باتجاه مغازلة لغة الفن ، واستدعاء مفرداته في توظيف تعابير الجسد ، وهو الخروج الواضح من عفوية الاشارة الى قصدية الصورة المصنوعة بلغة التسويق والترويج.

لن تتبلور صورة الرادود بعد الآن من تجليات الحدث ، بل ستقترب اكثر فأكثر من ضرورات الاستهلاك والرواج ، لذلك ستمارس الكاميرا هنا دورها في ربط الرادود بالناس وليس بالحدث او المناسبة ، سيتم تكييف الصورة لتضيء مسرح الرادود عوضا عن مسرح المناسبة ، لتنتج صورة تدخل الرادود الى قلوب المريدين قبل أي شيء ، لذلك كان بالامكان الانزياح عن صورة الرجل الغارق بالدموع باتجاه صورة اخرى ذات تعابير دافئة غالبا.

 

غير ان الفيديو كليب بتقنياته وامكاناته سيغدو الوثبة الاطول باتجاه حضور اكثر ملموسية لصورة الرادود ، حيث يمكن ملاحظة الحضور الكثيف لذات الرادود ضمن تكوين القصائدة المصورة ، واستحالته محورا للمشاهد واللقطات التي تمضي الى تظهير صورته ممثلا ومؤديا ضمن محاولات المسرحة التي تتسم بها محاولات الفيديو كليب الرائجة. 

ستبدأ هذ التجارب بلا مثال ، ومثالها الوحيد هو الفيديو كليب الغنائي ، ومها ستأخذ عدوى مركزية المؤدي في تشكيل صور العمل ، سيجري الاستغراق في توصيف نشاط الرادود الجسدي ، ايماءاته وحركاته ، بلا حساب فني ، ما يجعل الفيديوكليب وفق هذا الفهم مجرد استمرار لهذا الالحاح في تكثيف صورة الرادود ، بدلا من تكثيف موضوع القصيدة ، واكتشافها جماليا بالافادة من تقنيات التصوير التلفزيوني.

 

أثير السادة

(2) تعليقات

اتساع الصورة..انكماش الحدث

 

اتساع الصورة..انكماش الحدث

 

الحشود في ساحة رياض الصلح تبدو كتلة متوسطة الحجم معلومة الابعاد ضمن تكوين لقطة زووم اوت من زاوية عالية اختارتها جريدة المستقبل للصفحة الاولى ضمن تغطيتها لليوم الاول من الاعتصام المفتوح في بيروت ، لقطة واسعة يبدو فيها الحرص على اعادة تكوين الحدث بتوسيع حدود المساحة الفارغة من الناس ، فالمباني والشوارع تتمدد في الصورة بنحو بارز يشتت تلك الدهشة المفترضة لهذا البناء المتراص من الاجساد.
 
الصورة الاولى لجريدة المستقبل اللبنانية

 
الصورة الثانية لجريدة الديار اللبنانية
     

 

ترتبط هذه الصورة كثيرا باتجاهات الخطاب الاعلامي لهذه الصحيفة التي تنتسب الى كتلة الاكثرية الحاكمة في لبنان ، او بالتوصيف السياسي المتداول "فريق الموالاة" ،فهي لا تصف الحدث بقدر ما تصف العلاقة التي تفترضها استخدامات الصورة بهذا الحدث ، الاشكال المقترحة لمعنى الحدث وقيمته، فتكوين الصورة ومقاسها لا يبدو مسألة اجرائية دائما، بل هي في هذا المستوى خاضعة لاعتبارات الصراع السياسي وقيود الانتماءات الايدلوجية.

 

الرجوع الى الاعداد التالية من الصحيفة والتي مازالت ترافق الجدل السياسي الدائر حول المعارضة والموالاة يكشف عن ارتهان الصورة لضرورات  الخطاب واستراتيجياته فيها ، فالاتصال والانقطاع عن مشهد الحشود المتكرر يوميا مربوط بمدى تجانس الصورة وايدلوجيا الجماعة ، وليس بالضرورة تحولات الحدث ومجرياته الميدانية.

 

ستبتعد عدسات الصحيفة المذكورة عن الساحتين وعن وصف الجموع المحتشدة في ايامه اللاحقة ، ولن تقترب الا نادرا في لقطة "زووم ان"  تنقل مرة صورة مجموعة من الشباب يشربون الاركيلة مساء في طرف احدى الساحتين، واخرى مشابهة من محيط ساحة الشهداء اريد منها التهكم حيث وصفتها الصحيفة بأنها " سوق شعبي تولد عن المحاولة الانقلابية".
 

 

ستجد الصحيفة حيزها الخاص في مواقع أخرى وهي تجهد لبناء تشكيلات صورية في مقابل الصور الأخرى التي لم تنقطع عن لحظات النقل الحي فضلا عن تصاوير الضوء ، لتقدم لنا لقطات زووم ان على مجموعة من المتظاهرين دعما للسنيورة في طرابلس (6-12) واخرى في مدينة عكار (8-12) وبنفس الطريقة ومثلها في (11-12) ، وثالثة في تعلبايا (16-12) ، ورابعة في شحيم (17-12).

 

ميزة هذه المجموعة من الصور هي في اخفاء النهايات لهذا الحشد حيث لا أثر لحدود هذا التجمع ، فالصورة المقربة جدا تشتغل اكثر ما تشتغل على تكبير تعابير الوجوه المؤطرة ضمن اطار الصورة ، في اشارة ظاهرة على وجود امتداد غير معلوم النهاية لهذه الوجوه خارج التأطير المقترح، وهو ما يمكن الاحاطة به عبر توصيفات التقرير المصاحب والذي سيمضي في الغالب لتعزيز مقاصد الصورة.

 

مشاهد زووم ان متكررة تسمح لنا بمتابعة الرئيس السنيورة وهو يلتقي وفودا شعبية في قصر السرايا بين وقت وآخر ، فيها يحرص المصور على اظهار السنيورة من خلف الايادي المرفوعة في دلالة على مشهد تأييد وحماسة لهذا الفريق ، ومرة أخرى لا يبدو هذا النمط من الصور مشغولا بعرض المشهد كاملا امامنا ، بل في جعل هذا الاتصال المشحون بالعواطف بين السنيورة والحاضرين هو محور الحدث/الصورة ، مع الاستمرار في حذف صور الاعتصامات من سياق التغطيات ، ضمن عملية احلال وابدال ، كانت هي الاساس في لعبة الزووم ان والزووم اوت.

 

وهكذا كانت تتجلى ما بين تضييق الصورة وتوسيعها  الاختلافات المقصودة في رسم ابعاد الحدث ، وافتراض معانيه واتجاهاته ، في محاولة لبناء تجانسات مستمرة بين تصويرات الخطاب وخطاب الصورة.

 

أثير السادة

(0) تعليقات

مساءلات في وعي الصورة

(1)

مزالق الصورة و اوهامها

 

أثير السادة

 

الحرب كانت  مشتعلة ، وبين الخراب والصور سيل عواطف وانفعالات تأخذنا الى الاقتراب من الحدث حد استيهام الحضور فيه ، حرب ندعي اننا نراها لحظة بلحظة ، وهو ادعاء قائم على ادعاء النقل الحي ، والصورة المباشرة التي تستاهم في تدمير المسافة واختراق الزمن ،  فالصورة لم تعد تأسيسا لحدث ماض كما في الفوتوغرافيا، بل لحظة حاضرة تعيش الديمومة والحياة.

 

الصورة جزء من نزف المشهد المتمادي في تشخصيه للفجيعة، وشاهد على وجوده  قبل ذلك ، فيه  تنساب بسهولة ضمن التتابع المستمر لحركة الكاميرا ،  حيث يجري استعراض قدرات الصورة على تمثل الحقيقية ، فوظيفة الحركة هي تعزيز المعنى الذي يتوالد من جدل العلاقة بين الصورة والحقيقة.

 

سنستعين بالصورة لاختزال المسافة بيننا وبين مشهد الحرب ، سنتقوى بها لانماء احساسنا بالامتلاء بتفاصيلها، فاذا كانت الصورة لا تدعي انفرداها برواية الحقيقة ، فإنها تدعي على الاقل تحولها عنها ، وانكشاف الأخيرة بها، ، وقدرتها على تطويع المسافة بينها وبين الواقع، فالصور المتدفقة لا تنفك عن الدفاع عن وجود هذا الواقع ، فلا يمكن ان تنشأ الصورة الا عن اصل سابق هو بالضبط ما تحاكيه وتسعى الى تمثله.

 

لذلك سنتكئ على الصورة اكثر من سواها لتأسيس علاقتنا بهذا الحدث ، علاقة لا يمكن فيها اغفال  تلك الدهشة الانسانية بكل ما هو بصري ، على اعتبار ان حاسة الابصار هي الوسيلة الاكثر جدارة في ادراك الحقيقة ، وهذا ما يدفع باتجاه التواشج بين الانسان الحديث وصناعة الصورة التي تجاوزت لحظة التبشير بالحقيقة الى التدخل في بنائها.

 

وجد الناس طريقا لمعايشة الحرب عبر الصورة ، لكن الصورة في افضل الاحوال لا تملك مقاربة الحقيقة بنحو مطلق ، قد تزيد من حظوظنا في رؤية الاحداث التي تمتد على مساحة الزمن في مكان الحرب الا انها تبقى خليطا من سلطة الواقع المنقول وواقع السلطة الذي لا يمكن استثناء حضوره في لحظة انتاج الصورة ، سلطة القتنية ، سلطة المصور ، الجهاز الاعلامي ، اي ان الصورة من حيث تكوينها وتحولها الى مادة جاهزة للمشاهدة هي امتداد لتصورات الخطاب المنتج لها، وبالتالي لا يمكن الحسم بكونها نقلا محاديا بقدر ما هي تأويل لهذا الحدث او قراءة في ابعاده.

 

حتى النقل المباشر الذي يبدو في لحظة تماس مباشر مع الحدث بلا فواصل زمنية ، متصلا بلحظات جريانه وآثار حركته لا يملك الحفاظ على صفاء الحقيقة المنقولة ، فالرؤية غير المعرفة ، اي ان رؤية هذا السيل من الصور لا يكفي لتحقق معنى المعرفة ، وهذا ما يدفع روجيس دوبريه للتحذير من ما يسميه الوهم الابستيملوجي الناشئ عن صدى الصورة التلفزيونية وظلالها ، فهذه الشاشة المضيئة ليست مفتوحة على كل الابعاد.

 

هذا ما يحرض الشك لكي يمضي في مساءلة الصورة ، للكشف عن شطحاتها ، نصها المعمي ، والتحقق من قيمتها ، في وقت لا تملك فيه الصورة الا ان تكون موضعا للكثير من الاسئلة المعرفية والاخلاقية ، بعد ان باتت تأخذ موقعها ضمن اسلحة المواجهة بين الاطراف المتحاربة ، بطواعيتها وقابليتها لاعادة التدوير والانتاج وفق اشتراطات المعركة ، فهي لم تعد مماثلة للصدق ، ولا قريبة من التجرد في بيئة التقنية الحديثة.

 

 

 

(2)

اخلاقيات الصورة...من الغرف المظلمة الى الفوتوشوب

 

الصورة الفوتوغرافية شاهدة على الحروب ، لكنها لا تملك البرهنة على كل ذلك الزمن المتدفق ، هي معنية الامساك بخيط من هذا الزمن وتجميده، لحظة هنا او اخرى هناك،  ولذلك كان عدنان الحاج مصور وكالة رويتز قد رأى بأن اعمدة الدخان المتصاعدة من الابنية في صوره غير كافية للتدليل على اختناق المدينة وبكاء سمائها ، فراح يضرب بفرشات الفوتوشب السحرية ليمنح العمق لالوان الدخان.

 

ضربة واحدة او اثنتان لا يهم..لكن الاهم انها كانت ضربة لمصداقية الصورة بحسب الوكالة التي ارتأت تسريح المصور بعد اتهامه بالتلاعب في صورة من صور الحرب باستخدام برنامج الفوتوشوب، وبعد ان تلقفت الاصوات الاسرائيلية هذه الصورة لتجعل منها وسيلة ادانة للمناوئين لها في الحرب ، والتشكيك في صدق اعلامهم.

 

بالامس كان السؤال مختلفا ، يوم جاء الفوتوشوب واخوانه الى عالم الصورة .. كان سؤالا جماليا بالدرجة الاولى ، سؤالا عن فعل التقنية وفعل الانسان في صناعة الصورة ، عن حدس الفنان وذكاء البرامج الناعمة ، ولذلك ماتزال هنالك مساحة من توجس تجاه الصور المعالجة ، ومحاولة دائمة لتطويق تدخلات هذه البرامج في الصنعة الفنية ، سواء في المسابقات ، او المعارض الفنية.

 

هذه العلاقة الجديدة مع الصورة في عالم الديجتال تحديدا حولت الصورة الى مادة قابلة لاعادة التركيب ، اخرجتها من نسق الصور الثابتة التي يتم تظهيرها في الغرف المظلمة الى احتمالات التحول عبر الحدف والاضافة والتعديل والتبديل، وعلى هذا الاساس يمعن المصور في تدخلاته في بناء الصورة ، ضمن معالجات لاحقة متممة ، يمكن من خلالها التأكيد على  مزيد من الانزياحات الواعية  التي تعزز تصورات الفنان بنحو مباشر  ومقصود، وهي التصورات الحاضرة قبل ذلك في انتقاء الموضوع وزاوية الرؤية والتأطير وباقي العناصر المنتجة للصورة في شكلها النهائي.

 

الصورة الفوتوغرافية اليوم اكثر مرونة ، اكثر طواعية،  تبدو كمجموعة "بكسلات" قابلة للحركة،  وعليه تتكاثر احتمالات الخداع ، اي بنحو هدم معنى وبناء آخر ، واذا كانت الصورة في وجهها الابداعي تعيش اسئلة جمالية مع تنامي حضور الفوتوشوب ، او لنقل فنية لمزيد من الدقة،  فإنها في وجهها الوثائقي تواجه اسئلة اخلاقية حول مصداقيتها وقيمتها ، حول التزام المصورين برواية الواقع كما يرونه عبر الصورة.

 

الحروب الاخيرة كانت  مختبرات بحق لهذا المعنى ، حيث الاتصال المباشر بالحدث ، والحضور الميداني المتواصل ، وحيث التوظيف المستمر للصورة في دعاية الحرب ، فالصورة تكشف بقدر ما تحجب ، وتبدي طواعية لمن يرسل اصابعه فوق ازرار الكاميرا ، ومن يحملها الى وسائط المعالجة والتطوير .

 

يجري الحديث الآن عن قواعد للصورة  على غرار قواعد اللغة، عن ضوابط شاملة للحدود الممكنة للتغيير في بناء الصورة ، عن الحد الادنى والحد الاعلى لتأثيرات الفوتوشوب على قيمة الصورة ومضمونها، وذلك فيما يختص بالصورة الصحافية التي من المفترض ان يتقدم فيها هاجس رصد الحقيقة على اي شيء آخر ، من اجل الحفاظ على قدر من المهنية ، وقدر من الموثوقية في قيمة الصورة ، في مقابل اغراءات برامج المعالجة ومرشحاتها سهلة الاستخدام ، والتي اختصرت زمن الاحماض الكميائية بحزمة ضربات خاطفة على لوحة المفاتيح، ورشحت الصورة لمزيد من الخيانة في علاقتها مع الحقيقة.

 

من المؤكد ان عدنان الحاج لم يغير مجرى الحرب على لبنان من خلال الصورة على حد وصفه ، غير ان الصورة بدخانها اعادت تذكيرنا بعقائدنا في الصورة ، وباتساع رقعة السؤال الاخلاقي الذي تحياه في هذا العصر  ،فما بين الدخان الصورة والدخان الحقيقة ثمة عين تجهد للتكيف مع شروط البناء الجديد للصورة ، واجتياز امتحاناتها.

أثير السادة

 

(3)

إبتسامة على شرف الموتى

 

مذيعة الاخبار في القناة س مشغولة بارسال اصابعها الى شعرها بغرض تصفيفه وهي تقرأ علينا خبر مقتل 25 شخص واصابة مائتين في انفجار سيارة مفخخة ، فيما المذيعة الأخرى في القناة ص ترسل ابتسامة عريضة عقب تذكيرها لنا بهذا الخبر وصور منه في نهاية النشرة.

 

ما عاد في وارد الاحتمال ان تنفجر الاحاسيس ويسترسل المذيع او المذيعة في البكاء كما جرى مع المذيع البحريني في قراءته لخبر ملجأ العامرية في مطلع التسعينيات ، فالمسافة طويلة بين المشهدين ، لتكاثر روايات الموت المجاني في هذا الفضاء المزدحم بقنوات البث، ووفرة الصور المرافقة لها.

 

أحيانا لا تعرف ان كان ما تنظر اليه تلفاز ام ثلاجة موتى لكثرة ما يعرض من صور الموت اليومي التي تكشف لنا رخص الارواح في هذا العالم الثالث ، أرواح لم تجد الوقت لتشارك سقراط السؤال عن كيف ينبغي لها ان تحيا لأن هنالك من قطع عليها الطريق باكرا واختار لها السؤال والاجابة عن كيف ينبغي لها ان تموت. 

 

حياتهم المنهوبة برسم النزاعات والصراعات  تمر من امامنا يوميا في شريط الاخبار الذي يبدأ بهم كإقرار باستحقاق الحدث لا الاشخاص للالتفات واثارة الانتباه ، وينتهي بطرائف الاخبار أو بالرياضي منها، لينضم ذلك الشريط ايقاع مشاعرنا وفق هذا التعاقب الذي سينتهي بنا الى شيء من الألفة مع سيل الصور المتناقضة في الوانها واحاسيسها ، وقد ينتهي الى عطالة في قدرات العين على تحويل مشاهداتها الى ادراكات ومن ثم انفعالات بوصفها وسيطا لفك شفرات الصورة.

 

الشاشة الصغيرة ستحقق رهانها  في تصغير كل تلك الاحداث لتوائم حجمها ، حتى نكاد ان ننصاع لخيارها ، فنرى كل تلك الكوارث والمآسي صغيرة ويمكن طيها في هذا الشريط الاخباري المتسارع في وصفه ورصده ، فهذه السرعة كافية في احيان كثيرة في تمييع هذا الخبر او ذاك.

 

ستحبس الاعلانات التجارية دمعنا بعد كل جولة خبرية ثقيلة ، مذكرة ايانا ببهجة الحياة قبل ان نقطع شوطا بعيدا في لجة الحزن والكآبة، لتنقذ مشاعرنا بين وقت وآخر من الوقوع في تصورات سوداوية تبعدنا عن المتعة المنشودة من فعل المشاهدة، تلك المتعة التي كانت سببا في انجذابنا الى التلفاز، واستئناسنا لهذا الوسيط الذي يراهن على انفتاحه الدائم على اشكال الترفية والتثقيف ، وعلى جاذبيات الصورة التي بسطت نفوذها على مختلف وسائل الاتصال والتواصل الأخرى.

 

وهكذا بات بالامكان خلط ايقاع الحرب بايقاع الرقص والموسيقى ، وممازجة اخبار ضحايا المفخخات بآخر اخبار السيارات الفاخرة ، بما يحقق قدرا من التآلف النغمي بينهما يذيب الفوارق في مستوى استجاباتنا للاثنين.. مجرد نبضات متشابهة يمر بها القلب في كلا المشهدين بعد ان ترسبت فكرة المتعة في بنية المشاهدة ، وحتى آلت مشاهد الكوارث الى التسويق من خلال الاعلام تحت عنوان الامتاع والتسلية ،فاصبح الموت او ما يماثله في قصص الاعتداءات وجبة متاحة للجميع للاحساس بتجربة بديلة لكن في استجابة باردة لكونها تمثل حدثا بعيدا وقد مضى ، اي اننا لا نعيش في حال تماس معها لتلك المسافة الزمنية والجغرافية، ومعها  اضعنا بوصلة المشاعر.

 

نهاية كل نشرة يغادر المذيع موقعه  كقارئ شجاع ،قوي القلب، للأخبار الساخنة ، ويستمر المشاهد في دوره كمتفرج يكثر من الحوقلة ،  ويرسل صوت احتجاجه الى داخله ، بانتظار فاصل اعلاني يمسح غبار المشاهدة المرة!، في حين عروض الموت الارتجالية مستمرة بلا توقف في كرنفال الدماء الرخيصة!.

 

أثير السادة

 

 

 

 

..

غواية الصورة أم غواية اللغة
 
(4)




هل الصورة خرساء ؟ ام هي ثرثارة بصورة مسرفة؟

 

سيصبح هذا السؤال ملحا كلما دنوت من عالم المحلليين والكتاب وفرسان اللعبة السياسية وهم يطالعون صور الحرب ، ويبتكرون التفاسير لهذه الاثارة البصرية التي شهدناها ومازلنا نشهدها ضمن امتدادات الحرب الأخيرة في لبنان، فالاستجابات المتباينة تجعل من شروط ادراك الصورة محل تساؤل جاد ، لا بنحو المساءلة في شأن موثوقية الصورة من عدمها ، بل في طاقتها الدلالية، وقدرتها على التأشير ، وجدارتها كأداة اتصال،  ومساحة التأويل الممكنة فيها.

 

هذه مسائل قد تستحضرها بشيء من القلق والدهشة  وأنت تلاحظ هذا التدافع ناحية ترميم بناء الصورة وجمع آثارها بين المختلفين حول تلك الحرب وملابساتها ، من اجل ابتكار المعاني التي تعزز من معادلات الصراع ، والذي سيصبح أكثر حدة مع ازدياد توظيف الصورة في فضاء السجال السياسي ، وازدياد حضور الصورة في المشهد الانساني اليوم.

 

ليس ثمة درجة صفر للنظر  ولا صورة في حالة خام كما يقرر دوبريه وعليه ستبقى سيناريوهات التأويل متصلة بذواتنا وتمظهراتها التي مهما بالغت في تجردها ومهما حاولت التفلت من ذاتيها تبقى انعكاسا لصورة هذه الذات وقابلياتها، وما يدخل في حساب معارفها ومواقفها، ومتصلة ايضا بهذه الطبيعة التي تجعل من الصورة دفقا من المعاني الكثيفة القابلة للتكاثر في سياق وظيفتها الوسائطية.

 

ولأن الصورة تجهل نفسها سيتبرع سدنة الصورة في كل مرة بفتح طريق الى معانيها وهم يطلون بعباراتهم وتفاسيرهم جسد الصورة ، ليصبح شبيها بانتماءاتهم الايدلوجية وصياغاتهم المقترحة لهذه الحرب التي يراد لها ان لا تغادر ذروتها الدرامية.

 

هنا لا تملك الصورة مناعة امام روغان اللغة ، والتي تدعي انها تتبني مهمة ترجمة وتأويل هذا المرئي بالكلمات ، فنحن نبصر باللغة ونعبر عن ادراكاتنا من خلالها ، وعليه سيكون مقدرا دائما ان تتسرب اليها الاعيب اللغة واشتراطاتها ، ضمن ممارسات التحليل واشكال التعبير التي ستضمن لنا شكلا مفترضا من العلاقة مع الصورة ، شكلا يتوافق وتشكيلات الخطاب الذي يقود عملية التفكير في الصورة.

 

فالكلمات تمارس فعلها في جسد الصورة ، تحيله نصا تم الطاعة لشروط اللغة، كما ستأخذه عنوة الى سعة الاحتمالات ،  فهي لا تخبرنا بحقيقة الصورة بقدر ما تخبرنا عن الاحتمال الذي ترشحه لاستبعاد الاحتمالات الاخرى ، وهي احتمالات تنمو كلما بحثا للصورة عن سياق تضاف اليه، وتتموضع فيه.

 

اذن هي غواية اللغة اكثر من كونها غواية الصورة التي تجعل من مندوب اسرائيل في الامم المتحدة لا يرى في مجزرة قانا الثانية الا صورة من عرس كبير مفترض يقيمه حزب الله وايران لنجاحهم في جر اسرائيل لهذه الحدث المأسوف عليه ، وهي ما يعين كاتبا مرموقا لاختزال  كل صور القتال والمواجهة الباسلة للمقاومة في صورة الخميني والخامنئي المنتشرة في شوارع الضاحية ، ويدفع آخر لتحويل زحف الحشود الى مهرجان الانتصار من اعلان صريح بمكانة المقاومة في وجدان الشارع الذي تنتسب اليه الى مجرد حشود خائفة من خراب جديد.

 

من المؤكد ان للصورة وجوها ، أبعادا ، مساحة للإختلاف  غير ان ثمة صور عارية ، فاضحها في معانيها ، لا تحتمل كل هذا المعاطف التي يتركها المحللون على جسدها ،والتي ترمي الى تزويغ المعاني ، وجعل الصورة جسدا مستباحا لتأويلات خشنة ، لا تبيحها الا شرائع الروغان التي تتيحها استعمالات اللغة.

 

أثير السادة

 

 

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية