يقف السعداوي اليوم بما تبقى من شعره الابيض ولحيته الكثة على منصة أحلامه التي أزهرت باكرا لكنها لا تزال على حافة الارتواء، يستيقظ كل صباح دون أن يهتف باسم احد، وهو يقطع الطريق إلى التقاعد ليطوي سنوات العمل التي بدأت منذ الطفولة، فيما يصّعد الأصدقاء والمريدون من أصواتهم باتجاه طلب التفريغ الذي حين استطال وأصبح أشبه بالمحال أُفرغ من قيمته ومعناه، وأصبح ربما جزءا من سيرة الوجع التي يحياها مبدع بقامة قديس كالسعداوي، مبدع يملك الأفق غير أنه لا يملك حظاً يصافحه ليخرج من متاهة الإلحاح على التفريغ. 
الخميـس 05 شعبـان 1429 هـ 7 اغسطس 2008 العدد 10845
جريدة الشرق الاوسط
يحتل المخرج المسرحي البحريني عبد الله السعداوي موقعاً بارزاً على خارطة الابداع المسرحي عربياً، باعتباره واحداً من ابرز المشتغلين على تطوير الخطاب المسرحي في المنطقة، عبر أعماله الكثيرة التي حازت تقديراً واهتماماً داخل البحرين وخارجها، كما نالت نصيباً من الجوائز في المهرجانات والملتقيات المسرحية.
وكان المثقفون البحرينيون قد قادوا في السنوات الأخيرة حملة يطالبون فيها بـ(تفريغ) السعداوي ابداعياً، قدمت فيها عرائض وطلبات، ونشرت لأجلها مقالات وملفات صحافية، غير أن شيئا من ذلك لم يحصل، رغم تعاقب عدد من وزراء الاعلام في البحرين خلال هذه المدة.
الذين سطروا مقالاتهم في الدفاع عن حق عبد الله السعداوي في التفرغ رسمياً للإبداع، كانوا ينتظرون قراراً يحفظ لقلب هذا الرجل بعض احلامه التي فاضت بها تجاربه المسرحية الخارجة عن خطوط المسرح المستقيمة، بحثا عن سعة التعرجات التي تعرفها مديات التجريب. فكان أن عانقت خيوط الضوء مرات ومرات وهي تنتهك الساكن والجامد في لغة المسرح وأدواته، لتصبح الممارسة بحد ذاتها فعل هدم وبناء وثيق الصلة بهذه المواجهة المستمرة بين ذاته كمخرج وبين سؤال المسرح الذي لا يستقر على رصيف!.
كل الذي أرادوه من كتاباتهم وعرائضهم أن يعبر هذا الرجل بأسئلته إلى جهة المسرح بكثير من الحرية، قبل أن يصير هذا الركض اليومي باتجاه لقمة العيش أفكاره وأحلامه رمادا، أن يتمدد كمبدع حر، لا تخنقه الحاجة على خارطة المسرح التي تآكلت هي الأخرى من جراء شيخوخة المسرحيين المبكرة، وتساقطهم أمام مغريات التلفزيون، وهم في كل ذلك يدركون الحضور النوعي لتجربة السعداوي ضمن أفق العمل المسرحي العربي.
محطات عدة مر بها السعداوي في مسيرته المسرحية، وفي مقدمتها الامارات التي تنحاز لها ذاكرته الممتلئة بالتحولات، وذلك منذ أن وصلها شاباً في نهاية السبعينات. التقى السعداوي هناك بالفنان العراقي الراحل ابراهيم جلال، واستمر في ملازمته طيلة مدة اقامته التي بلغت ست سنوات، ملازمة فتحت آفاق المسرح عند السعداوي على مدى اوسع فأنتجت معرفة جديدة ومغايرة للمسرح، اسست لكل ملامح المرحلة التي تبعت هذه التجربة كما أعانت في خروج السعداوي من تصوراته وصورته القديمة.
لم تكن «الكمامة» التي نال عنها جائزة افضل اخراج في مهرجان القاهرة التجربيي 1994 بداية الحكاية، فقد سبقتها عروض أخرى، غير أنها التي اخرجته من دائرة النسيان، ودفعت بمزيد من الضوء ناحية الصواري، المختبر المسرحي الجديد الذي جمع تلك الوجوه البحرينية الشابة ممن تفتحت عيونها على معطيات التجريب، وسعت إلى إيقاظ الرغبة في البحث عن الأشكال المغايرة للمسرح.. في هذا المفصل التاريخي تحديدا ارتفعت في المشهد المسرحي صارية المشغولين بصناعة الأسئلة وباتت الصواري مظلة لأولئك الساعين إلى خلخلة الصور المألوفة عن البناء المسرحي.
تُحدثنا ذاكرة المسرح في البحرين بكثير من الاحتفاء عن عروضه الأهم مع الصواري: سكوريال، الكمامة، والقربان، قبل أن نطالعه في تجاربه الأخيرة : الكارثة، ابني المتعصب ومتروشكا، عروض كانت تمضي بنا إلى طقوس السعداوي المفتوحة على شهية التجريب، في لعبة مسرحية لا يرتخي فيها جفن المشاهد وهو يحمل حيرته بين كفيه حين يبصر المسرح خارج صورته النمطية، وقريباً من حده الأدنى، فلا شيء عند السعداوي يعادل في تعقيداته سؤال المسرح الذي يدعي ذات حوار بأنه لا يعرف ما المسرح لذلك «يجرب ويخون المسرح» كسبيل لاعادة بعثه من جديد!.
حينما تم الإعلان عن تأسيس جمعية للمسرحيين السعوديين كانت الأصوات المستبشرة بهذه الولادة ترى في هذه الاجراء التنظيمي خطوة باتجاه تحقيق الاستقلالية، أي الاستقلال الإداري والمالي للنشاط المسرحي في السعودية، بمعنى أن يتوفر للمسرح جهاز خاص، يديره أهله وناسه، بدلاً من أشكال التنظيم الثقافي الحالية التي تجمع كل الفنون والآداب إلى عباءة المسئول في الجهاز أو المؤسسة الثقافية الرسمية، سواء كان النادي الادبي، أو جمعية الثقافة. لم يتبين بعد ما حقيقة هذه الاستقلالية وما قيمتها، غير أن اللافت في هذا الحدث هو الإشارة المتكررة إلى هذه المسألة من قبل المسرحيين أنفسهم في ما نشر وينشر من تعليقات، ضمن عنوانين بارزين تم التأكيد عليهما: الشرعية والاستقلالية، فالمسرحيون كما يوردون قد وجدوا في إقرار الجمعية اعترافاً بشرعية وجودهم بعد أن كانوا شتاتاً بين هذه المؤسسة وتلك...وهكذا تحول الوصف المرصود للجمعية كجهة غير نفعية ومستقلة الموارد في اللائحة التنظيمية، إلى عنوان لآمال وتطلعات هؤلاء المسرحيين للعمل المسرحي برمته وليس عمل الجمعية فقط. ثمة شاغل جماعي اذن يتعلق بشأن العلاقة بين المسرح والأجهزة الرسمية يمكن أن نلمس بعض تجلياته في هذا المشهد، هاجس كان يطل برأسه في غير مناسبة، ويدفع المسرحيين للامتعاض من بيروقراطية الجهاز الرسمي، ومسؤوليته في تذبذب الحركة المسرحية، بل في مراوحتها في مساحات ضيقة، بسبب ضيق اليد وضيق الأفق الذي تدار به العملية المسرحية برمتها. كانت جمعية الثقافة والفنون بفروعها المتوزعة على خارطة الوطن، وعلى إختلاف أمزجة المسئولين فيها، تمارس دور تثبيت الأمر الواقع، الذي يجعل من المسرح محشوراً في زاوية المناسبات ومبرمجاً وفق رزنامة المهرجانات الداخلية والخارجية، حتى النوافذ الصغيرة التي أطلت منها تجمعات مسرحية موسمية جادة تسربت إليها أعراف وتقاليد هذه المؤسسة العتيدة، فأصبحت شواهد على قدرة المؤسسة على تذويب المبادرات وصياغتها وفق آلية الإنتاج التقليدية بدلاً من أن تكون الدليل على أن ستائر المسرح القديمة قابلة للطيء!. الإرتباط بجمعية المسرحيين اليوم لا يمثل بالضرورة انقطاعاً عن إشكاليات المؤسسات السابقة، فالمشكلة لا تنحصر في الوجوه والمباني والعناوين، فثمة نسق مؤسساتي مهيمن يتحكم في بنية العمل الثقافي، فقد تغادر المؤسسة وتبقى اعرافها. لا ينبغي أن يكون هذا القفز بالعناوين من خانة إلى أخرى سبباً للتواطؤ على تغييب البعد الجوهري لسؤال الاستقلالية الذي لم نصغِ اليه كما ينبغي، أو على أقل تقدير لم نتمثله في حواراتنا وتصوراتنا لحال المسرح في مرحلته المقبلة. هذا الإلحاح في مطاولة عنوان الاستقلالية يحرضه القلق على روح المسرح من الإرادات القاهرة لفكرة الإبداع في هذا المجال، أو المتحيزة للحساسية الرسمية في صناعة الثقافة، وكل ما يمكن أن يمثل وصاية على حياة المسرح خارج الاشتراطات الفنية والاعتبارات الجمالية، وكل ما يتهدد شكل علاقته بالناس وقضايا الشارع اليومية، واحتياجاته الجمالية..هي محاولة لتجاوز أفق العمل الموشوم بمبالغات الخوف، وتلاوين الشروح الهامشية التي تجعل من المسرح رديفاً للتحريض أو عنواناً للدعة!. لكن موضوع الاستقلالية كما أراه ليس له وجهة واحدة، فلا يمكن حصره بين هلالي الرغبة في الخلاص من بيروقراطية الاجهزة الرسمية، وضواغط الموازنات السنوية، هذه مسائل إجرائية قد لا تبدل الكثير في معادلة الانتاج الفني، وأن بدت لهجة المسرحيين أكثر اعتناء بها. ثمة قلق جمالي يختزل الجزء المشطور من سؤال الاستقلالية، وينفتح على كل تداعيات الوجود المسرحي في هذا العالم، قلق يوقظه الخوف على صورة المسرح، على قدرته في أن يكون ما يريد أن يكونه، أن يختار وجهته الجمالية والفكرية، وان يتمثل سيرة الفن في اتساعها الإنساني. أن يكون المسرح مستقلاً، يعني أن يكون حراً، يملك خياراته الخاصة، خطابه الخاص، جمهوره الخاص، يملك حرية المضي بعكس إملاءات السوق، وخارج التأطيرات التي تفرضها مشارط السلطة بوجوهها المتعددة، السياسي والديني والاجتماعي، ليختبر استحقاقاته تبعاً لهذا الهامش الذي يتأسس بإرادة الباحثين عن قيمة الفن بما هو محاولة للقبض على الجمال في هذا العالم، لا بتشوفات المتعطلين على حافة الإنتظار، ممن رسموا مسرحهم في الهواء، وركضوا باتجاه كهنوت السوق ليصنعوا لهم مالك من ورق. حياة المسرح تتأتى من هذا الأفق المفتوح الذي يصيره المبدع مضماراً للخيال، وفسحة للخلق الابداعي، في لحظة تماسه بذلك الجوهري والانساني من الصور والتعبيرات والمواقف التي يصار إلى إختبار تمثلاتها المسرحية والتي لا تفترض مجرد المحاكاة، بل تشدد على قدرتها في كسر صرامة الواقع، وإعادة انتاج الحقيقة وفق الاشتراطات الجمالية. وفق هذا التصور يمكن مقاربة الكثير من التجارب المتجاوزة لتقاليد المؤسسة المسرحية في العالم، بإعتبارها وعياً مضاداً لمعيارية هذه المؤسسات، حيث انفتحت نافذة المسرح على حساسيات فنية جديدة خلال القرن الفائت كان الجامع بينها التبرم من نمطية العمل المسرحي، والمؤطرات الصارمة لهذه الممارسة، فيما ترمي بالدرجة الأولى إلى الإستقلال عن سلطة هذا الخطاب المؤسساتي بإعادة اختبار الكثير من المفاهيم المسرحية واكتشاف جماليات المسرح البديل. هذه سمة المسرح الذي لا يخشى مواجهة "المقاعد الخالية" على حد وصف بيتر بروك، فهو لا يرتهن في وجوده إلى شبابيك التذاكر، ولا يراهن على اكتمال صفوف الجمهور، بل على انفتاحه على تجليات السؤال الجمالي في هذا المختبر الإنساني الواسع، في الوقت الذي يدفع فيه المسرح إلى السوق بوصفه سلعة يراد لها التموضع فوق منحى العرض والطلب، لتمتزج لغة المال بلغة المسرح، وتصبح الموازنات مرة أخرى ضاغطا على اتجاهات العمل المسرحي، وتصبح الممارسة برمتها تحت وصاية المال!. الذين خرجوا من دكاكين الثقافة الرسمية، والغرف المستأجرة لثقافة لا يسعها المكان، وجدوا أنفسهم سلعة في سوق تجار الفن الذين باتوا يصنعون مزاجنا الفني، ويصوغون فضاءً مسرحياً مشروطاً بتمطلبات قوى السوق، الأمر الذي يفسر هذا التوالد العجيب لفرق ومجموعات مسرحية لا تعبأ بالمسرح كفعل واع وحر بقدر انشغالها بالوصول إلى امتيازات المال في هذا المشهد المتنامي. فوق أرفف ملاك الملاهي والمجمعات التجارية، تجتمع اليوم أحلام النفر الهارب من الإحساس المفرط بالضيق داخل مؤسسات الفن والثقافة، تجهد لإيجاد مساحة أوسع لتحقيق حضورها الفني، والتخفف من شواغل التمويل، غير أن هذا النضال الموصوف ينتهي غالباً إلى حالة من حالات التناقض التي تجعل من الإبداع صيغة معادة الإنتاج لصالح السوق، وليس العكس. المؤسسة خانقة، والسوق لا تولد إلا صوراً مسرحية زائفة، هذا ما كانت ترويه لنا التجارب الطليعية، ونزعات التجريب، وهذا ما بشرت به الأصوات المسرحية التي روجت لأفكار المسرح المستقل، والمسرح الحر، والمسرح البديل في العالم، وهذا ما أشار إليه المسرحيون السعوديون بسبباتهم فقط دون البوح به على وجه الدقة، لأن الاحتراز في ذاته هو الحد الفاصل بين الاتصال والانفصال عن هذا النسق المؤسساتي المهيمن على مناخ المسرح محلياً. *ينشر بالتزامن مع مجلة الاعلام والاتصال - العدد 120 - غرة جمادى الآخرة 1429هـ.
هناك في هذا الوطن الممتد من هو مشغول بترسيم خطوط طول وعرض للساحة الثقافية، فكل ملاحة فوق هذه الرقعة ينبغي أن تكون صوب القبلة، والقبلة هي بكسر القاف لا بضمها، لأن في ضمها دعوة للانحلال والخروج عن جادة الصواب، وليست القبلة في عرف المتشددين وصفاً لاتجاه الصلاة، بل لاتجاه الحياة كما ترسمه أحلام الساكنين على ضفاف التاريخ، والماسكين بطرف الأشياء خشية السقوط مع هبوب أي ريح. أولئك الذين اطالوا وقصروا، وجمعوا وبعثروا أحلام الوطن تحت يافطة الصحوة لا يعيشون اليوم إلا قلق الخروج عن نصهم المكتوب في خرائب الهزيمة، قلق يحرضه احتراق اوراقهم الصفراء في اتساع الحقيقة، وزحام المسافرين بإتجاه الشوارع التي تضيؤها قناديل السؤال المغموس بالحرية. تجدهم يحصون للناس انفاسهم، ضحكاتهم، خف قلوبهم حتى لا يتعرى ذلك الحلم الذابل بارتفاع الشمس في الأفق. إختاروا أن يروا الأشياء بعين نص مفتوحة، وعقل نصف مغلق، يبصرون ولا يبصرون، يقرأون ولا يقرأون، يختصرون مواقفهم تجاه كل جديد بزفير طويل، وسبابة عجلى تطفئ كل شعلة تلامس الحنين للحرية، لطفولة الأشياء، للأمنيات الهاربات من دفاتر الرقيب، ولأن الثقافة أثنى ينبغي لها أن تكون ملفوفة بسواتر، محشورة بين الأسود والأسود، حتى لا يفضحها ويفضحنا الخيط الأبيض من الفجر. خروج الثقافة عن عباءاتهم في حد ذاته تبرج، لذلك ترتجف قلوبهم أذا ما سمعوا همس المموسيقى، أو عاينوا ظلال الصورة السينمائية وهي تتغنج على أرصفة المدينة، تبحث عن موئل بعد طول إنتظار، عن خندق تتحصن به في استراحة الدقائق الهاربات، يريدون لها أن تعود إلى بيت الطاعة، إلى كهولتها المبكرة، حنى لا تؤول احلامهم بلا وطن. من هنا يبدو الممر المؤدي إلى ثقافة السينما ضيقاً جداً في هذا الوطن، فالتجارب التي شاركت في مسابقة أفلام سعودية ما كانت تفطع مسافة جمالية في عدوها في هذا الاتجاه بقدر ما كانت تختبر قدرتها على العبور، بل على الوقوف في وطن بلا سينما. سيحتضنهم التاريخ بقوة لأجل ذلك فقط، لأجل أنهم لوحوا للناس بأفلاهم قبل أن تحملهم اصوات المتشددين على الغياب، لأجل أنهم صرحوا بأنهم كباقي البشر يحبون الصورة في تلونها ودورانها، في صدقها ونميمتها، في تسكعها على أرصفة القضايا والهموم اليومية. المتشددون من فرط خصومتهم مع السينما يحبسون أنفاسهم ساعة يقرأون خبراً عن إقامة عرض سينمائي، يمسكون قناني الحبر ليكتبوا احتجاجاً، تهديداً، أو يرسموا شارعاً يوصلهم إلى مكتب المسؤول خشية أن تشنقهم الصورة، او تصيبهم الموسيقى بشظاياها. وجدتهم بالأمس يتـأرجحون في قاعة العرض بجمعية الثقافة والدمام كلما أطل وجه الموسيقى، وما أكثر الموسيقى وأقل الصورة في تلك العروض، تتصلب سيقانهم وهم يغدون ويروحون بحثاً عن مسؤول يتدحرجون معه على سلم الإيقاع. كل هذا الضجر من بدعة السينما يحال اليوم إلى مشاغبات الموسيقى، الذريعة الأكثر رخصاً، هذا ما حدثتنا به الصحافة في أخبارها بالأمس، وهي تروي قصة إلغاء فيلم "مطر" لعبدالله العياف بعد أن كان مقرراً عرضه في النادي الأدبي بالأحساء، حادثة تحكي عن ذلك الخوف الذي لا ينام، خوف من الصورة السينمائية وخوف من المعارضين لها، ثمة خوف متبادل تمتد مساحاته بامتداد حياد الدولة التي تفضل النظر إلى المشهد من وراء زجاج النافذة.!. ويبقى الحضور الأمني المكثف لتأمين عرض الفيلم الهندي "الظلام" في أدبي حائل الإشارة الأبلغ على قدر السينما في أن تبقى على تخوم المواجهة قبل إرساء اي شكل من اشكال العلاقة الرسمية مع الثقافة المحلية التي مازالت تقترب من هذا الوافد المتأخر بكثير من التردد والحذر، في وقت لم يعد فيه الفيلم السينمائي منذوراً للسهرة فقط، بل بات حدثاً يجري في كل وقت!. أثير السادة
تتمتع عروض المسرح على اختلاف أغراضها وتعدد أشكالها بعناصر جذب للمصورين الذين سيجدون فيها أشياء تجاوز مجرد متعة الفرجة التي يشاطرهم فيها الآخرون، لتوصلهم بلحظات ابداعية ملهمة هي بمثابة المختبر الحي للتصوير ، حيث المعمار المسرحي والإداء الجسدي والمؤثرات البصرية وباقي المفردات المسرحية التي تمثل الفارق الجمالي لهذه الصناعة الفنية. وتمثل العروض النوعية أو ما يصطلح عليه عموماً بالعروض التجريبية او الطليعية الوجه الأكثر إغراءاً في هذا المجال لانشغالها الدائم باكتشاف مساحات جديدة للعلاقة ما بين تلك العناصر ، ومحاولة تطوير أشكال حضورها الفني ، ضمن تصورات جمالية تُنشّط الإحساس بخصوبة المسرح وعلاقته الجدلية بالواقع والحياة. وكانت الاضاءة دائماً واحدة من العناصر المتحولة في الصناعة المسرحية، وأكثرها تجسيداً لهذا الهاجس الجمالي الذي ارتبط بتطور مفهوم السينوغرفيا ، والمتصل بالبعد التشكيلي في البناء المشهدي، فهي السبيل لاكتشاف حرارة الألوان، روح الظلال، حياة الأشياء، وبلاغة التشكيل، وهي تملك بث كودات نفسية، اجتماعية، زمانية ومكانية في نسيج العرض، فاللعب بالاضاءة هو لعب بالاحساس بكل تلك الاشياء التي تستعير من انعاكسات الضوء دلالتها. لذلك ستتبدل وظيفة الاضاءة وتتعدد مصادرها وألوانها بحسب الرؤية الاخراجية التي يعمد المخرج/السينوغرافي الى تنفيذها بالتعاون مع مصمم الاضاءة، وستتجاوز الاضاءة وظيفتها النفعية اليومية الى وظيفة درامية جديدة متصلة بسياق الاحداث وطبيعة الصراع بين شخوص العرض، ومن هنا قد يصبح السؤال الجمالي في صناعة الضوء عند المسرحي مختلفاً عن قرينه الفوتوغرافي الذي يتعين عليه دائماً الاقتراب من العمل المسرحي من داخله، ليقتنص من لحظاته ومشاهده ما يحفظ للصورة قيمتها التوثيقية ، ويهبه صوراً فائضة بالجمال على حد سواء. سيبدو التصوير المسرحي وفقاً لذلك عملية متأنية يتابع فيها المصور تحولات اللحظة المسرحية بكل ما فيها من زخم درامي، ويراقب فيها تلك العلاقة التراكبية بين عناصر العمل ، ما يجعل الفرجة في ذاتها فرجة مضاعفة ، من أجل الخلوص الى تكوينات بصرية من منظور فوتوغرافي، أي انها تنتمي في شرط وجودها الى خبرة المتلقي/المصور عوضاً عن المسرحي/المخرج، وهذا مايمنحنا في بعض الأحيان صوراً ضوئية لم تكن في حسبان مخرج العمل ولا في مجال ادراك المتلقي المتابع للعرض في لحظات جريانه. ولعل محاولة نقل الفعل الحي من آنيته الى حالة الصورة الفوتوغرافية الساكنة التي تفترض حالة ماضوية يضع المصور أمام اشكال جوهري يتعلق بقوة الصورة وقدرتها على التمثيل، ويفتح الشكوك تجاه القيمة التوثيقية للصورة بما هي منتوج لعملية مركبة من الابصار والادراك والتذوق، وبالتالي يثير الاسئلة حول وظيفة الصورة المسرحية وقيمتها الفنية، فما يجري هنا هو محاولة للتأسيس على قواعد الصورة وجمالياتها في مقابل جماليات المسرح وطقوسه، التي وان تواشجت مع معطيات التشكيل إلا انها تبقى أكثر ارتباطاً برهافة جسد الممثل الذي يحدد طبيعة استجاباته وفق ايقاع اللحظة المسرحية. يبقى هذا التشابك بين الحركة والضوء في المشهد المسرحي سبباً لامتداد الحياة في الصورة المسرحية التي ستستعيض عن صمت الصورة ببلاغة الفعل وبلاغة اللون معاً،والرهان هنا هو في قدرة الكاميرا على الحفاظ على التفاصيل الضرورية لهذا المشهد، وملاحظة شروط التمرئي التي تصوغ حقائق العمل المسرحي، وتدفقه بالحياة، من خلال مساحة زمنية ومكانية مقدرة بكل ما فيها من مفردات وتحركات وانفعالات. في هذه المساحة يمكن لعدسة الكاميرا ان تقبض على دراما الاشياء والوجوه، أن تتعقبها في لحظات التوتر الدرامي وتصاعد وتيرة الصراع بين المؤدين، أن تتذوق المشهد في انبساطه وانقباضه، فثمة طاقة تعبيرية ثاوية في سياق الأحداث التي قد يلزم المصور التعرف على بعض تفاصيلها قبل المشاهدة عبر أفراد العمل ليتخير موقعه من مكان العرض، ويتهئ لمهمة التصوير بما يلزم من العدسات والإعدادات الخاصة، في وقت لا يحتمل فيه العرض التوقف او التكرار!. * ينشر بالتزامن مع مجلة الزاوية- العدد الخامس - مايو 2008 
ما بين هسهسة الموسيقى وتراتيل الضوء الخافت يتسمر المتفرج ساعة الفرجة داخل صالة العرض، مسنداً ظهره ويديه للكرسي الأحمر، فيما يستغرق ذهنه في تتبع العرض في فصوله وأحداثه، موعوداً بارتحال في فضاء الجمال، وفضاء المواجهة مع واقعه المشحون بألوان التعب. يحدث كل شيء تحت مرأى منه ومسمع، لكنه لا يرى الكثير، فمهندس الإضاءة قد عمد إلى جعل المساحة الأوسع من العرض قرينة العتمة ، وبقع الضوء المسافرة على عجل بين حدود الركح، وتلك الحزمة من الألوان.. التي لا تكف عن اختبار قدرة المتفرج على الإحساس بوجودها، وكأنها اختبارات العش الليلي وعمى الألوان. لا يضيء لنا الطريق إلى مبتغى العرض وغايته سوى الحرف، بضع تمتمات وهذيانات، وجمل منقوعة في ماء الشعر، هي الناظم لإيقاع العرض ، بل هي العرض في انتظامه اللغوي الذي نبحث عن لحظه استحالته مشهدا بصريا فلا نقبض إلا على صمت الفراغ، وثقل الأجساد، وشفاه تركض فوق سطور النص. يتمدد المتفرج في استرخائه، يغادر الزمان والمكان، ويسرح في أخيلة بعيدة، فتنكمش فرص إمساكه بشيء من خيوط العرض ، مع تراخي الأحداث ، وذبول الشخصيات، وموت الإيقاع الذي لا يجد له محفزاً درامياً يحرضه على دوزنة الأحداث.. وحدها قيمة الاسترخاء تكبر في هكذا عروض، فيما تصغر كل معاني المسرح، حيث يصبح الوقت المنذور لصناعة الفرجة المسرحية فسحة لمقاربة طقوس الاسترخاء ، ولذة الانغماس في لعبة الكلمات المتقاطعة، بعد أن أضاعت العروض بوصلتها، وتجردت من مقوماتها الفنية، فأصبحت تشبه أشياء كثيرة إلا المسرح. أثير السادة
محاولة اولى للفهم (1) كثيرا ما يراودني السؤال عن اسباب تردد النص المحلي في مطاولة القضايا الاكثر راهنية في الساحة المحلية ، على ما فيها من قابلية على التصعيد دراميا ، وعلى ما في هكذا نصوص من قدرة على التأثير في سياق المواقف والافكار ، وانصراف الكتاب الى الانشغال بما يوصف بالقضايا المركزية ، وفي مقدمتها الاحتلال والتغريب والمؤامرة.
يخيم الكتاب المسرحيون غالبا في حيز الهم الاجتماعي ، واذا ما غادروه قليلا في لحظة صحو فكري تسربلوا بعتمة اللفظ وتدثروا بالرمز ، حتى لا ترى من افكارهم الا تأويلاتك التي تعتصر النص لتخرج الملح منه ، وربما استفرغوا وجدانهم ليكتبوا من مائها نصا لفلسطين او العراق، او لربما سار بهم الركب الى التاريخ تورية وتعمية اخرى. (2) لا يستطيع الانسان منا ان يبقي نفسه بمنأى عن ما يجري حوله في هذا العالم ، فتلك الصور المتدفقة عبر وسائل الاعلام تجعلنا نشعر بأنا على خط تماس مع كل الاحداث التي نطالعها ، فنتفاعل وننفعل ، ونبدأ في تأسيس موقف منها. هذا الفيضان الاعلامي الذي يلاحقنا يجعل من العالم مشهدا عريضا للفرجة الملونة بألون الاحداث ..من الرياضة الى السياسة مرورا بالفن وحتى الاقتصاد.
تعترضك على الدوام نشرة الاخبار ، فكأنها صندوق الدنيا ، حيث آخر اخبار الود والخصام بين ابناء الكرة الارضية وما بينها من صفحات دماء تسيل او هناك باعتبارها جزء من مسلسل تعارض المصالح ، وتباين النوايا بين الناس والامم ، تتبعها اخبار الكرة ، فاحوال الطقس التي يختتم بها عادة الفصل الاخباري. (3) نحن واقعون اذن تحت تأثير تلك الصور التي تدعي نقلها للواقع ، وتصويرها للحقائق ، فيما هي صناعة تتضمن فبركة ومعالجة لهذا المشهد الذي سيستحيل في حال التلقي الى حقائق معاد تصنيعها ، يتم ادراكها وفق الصيغ المقترحة في هذا النسق الاعلامي او ذاك. يعاد توزيع اهتماماتنا وتدوير اسئلتنا الخاصة بازرار القنوات التلفزيونية ، ثمة زحزحة لمركز الاحداث ، وازاحة مستمرة باتجاه نظرة هذه القناة او تلك الى الحدث المنقول، فيما المتلقي الذي يحترق بلهيب الصورة ويبتهج بها على السواء يمارس اختيار موقعه من هذا الطقس الاتصالي الذي يحمله على تكييف انفعالاته عبر المقايسات المستمرة التي يجريها على مشهده الخاص ومشهد العالم من حوله ، مكتشفا تلك النسبية المختبئة في حدود الألم عنده ، حيث يبدو معه انه اسعد حظا بالطبع من جاره العراقي الذي لا يأمن على حياته من السيارات المفخخة واخطاء الاحتلال وقسوة العيش.
(4) لعل هذا ما يصرف المسرحيين السعوديين عن كتابة آلامهم والاقتراب من تداعيات المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي في حدودها المحلية ، فهم لا يطالعون همهم في المرآة الاعلامية بمقدار ما يطالعون اليوم من سيرة الدم العراقي الذي يباع بأرخص الاثمان هناك. قضايانا الاهم محليا تبدو فاصلا اعلانيا لمشهد كوني لا يكف عن اشباعنا بالوان الانفعالات التي تجعل الواحد منا مأخذوا بلحظة ضحك مشدودة الى أخرى حزينة ضمن شريط من الصور لا يتوقف. أولعله الخوف الذي يصرفهم عن انماء حسهم النقدي تجاه مختلف الظواهر، الخوف من الرقيب ان يحجب عنهم النور ، والخوف من مساءلة السلطة على اختلاف الوانها، ومن هروب المؤسسات الثقافية عن التواصل مع انتاجهم ، ووو...
ربما... 
كل شيء من ذكريات هذا الشارع قد عبر مع حبيبات الإسفلت الى الأرشيف ، حيث أسلمت الذاكرة أمرها الى تواقيع الحفارات، وما تبقى من البنيان المتآكل في ضياع المدينة. بإنقطاع المد والجز عن هذه الارصفة إنحسر وجه المكان، وتبدد عبق العائدين بحلم القواقع مع آخر النوارس التي حملها الغيم باتجاه أزرق مستحيل، لم يعد للناس أرصفة تحمل أنفاسهم ، ضحكاتهم، حتى الرصيف تلاشى في التصاق المباني، وانكماش الدروب التي يسري بها الضوء الى كل النوافذ. باب هذا المقهى القديم وحده ظل مفتوحاً يلوح للعابرين بخيوط الذكريات، يطرز في ابتهاج النهار قميصًا لهذا الرصيف الذي عليه غبار الوطن، وبقايا الحنين لحكايا النخيل. الذين تواعدوا لاقتسام الرصيف ، تركوا غيمة من الهم والحزن للذين شاخت بهم مرايا الطريق، فكانوا رماداً لاحتراق النخيل، وعقداً من الورد تأخر طويلاً عن عناق الندى. كانوا هناك...<










